مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مصر والسنغال: حين لا تكفي التوقعات

بقلم/ يحيى القطب 

في لحظات الترقّب، نحمل التوقعات معنا كما يحمل الطالب كتبه قبل الامتحان؛ نثق في الحسابات، نرتّب الاحتمالات، ونستدلّ بالخبرة السابقة.

وقبل المباراة الأخيرة بين مصر وساحل العاج في كأس أمم إفريقيا، كانت كل المؤشرات تقف صفًّا إلى جانب ساحل العاج: من نتائج الفريق في مبارياته السابقة، إلى أدائه المتوازن، إلى قوته البدنية والمهارية الظاهرة، وكلها عوامل بدت كافية لترجيح كفّته.

ولم تكن هذه التوقعات وليدة فراغ؛ فمستوى المنتخب المصري في مبارياته السابقة لم يكن على قدر اسمه ولا تاريخه، وجاء أداؤه متذبذبًا، وفاز بصعوبة في أكثر من مواجهة، وهو ما عزّز القناعة بأن العبور هذه المرة سيكون بالغ الصعوبة، وربما مستحيلًا، أمام خصم في قمة جاهزيته.

منطق كرة القدم، كما الرياضيات، يحسب الاحتمالات.

إذا كان الفريق (أ) متفوّقًا في الأداء والنتائج واللياقة والإحصاءات، فلا بدّ — حسابيًا — أن يكون هو الأقرب للفوز.

لكن النتيجة جاءت معاكسة.

لم ينتصر المنتخب المصري لأن التوقعات كانت خاطئة فحسب، بل لأن هناك عوامل لم تلتقطها الحسابات ولا تُقاس بالأرقام.

فالكرة ليست لياقة ومهارة فقط، بل هي مدارس وتكتيكات؛ هناك مدرسة الدفاع المنضبط، ومدرسة الهجوم الشرس، ومدرسة الاحتواء، ومدرسة الهجمة المرتدة. وغالبًا لا يكون الفارق في المعدّل العام، بل في قراءة الملعب، وتوقيت التحرك، واللعب على الثغرات.

صحيح أن الفريق الخصم أحرز هدفين، لكنهما جاءا في مواقف فوضوية من كرات ثابتة، لا تعبّر بالضرورة عن تفوّق تكتيكي كامل، بقدر ما تعكس لحظات ازدحام وارتباك، وهو ما يؤكد أن النتائج لا تُختصر دائمًا في الإحصاءات.

ولا يمكن إغفال تأثير عوامل غير تقنية: الحماس الجماهيري، والضغط النفسي الذي يولّده توقّع الهزيمة، والرغبة في استعادة الكرامة بعد مسار غير مُقنع. هذه عناصر لا تُدرج في الجداول ولا تُقاس بالمعدّلات، لكنها تصنع الفارق حين تلتقي العزيمة مع لحظة الحقيقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن بعض الدعاية المتعصّبة، بل والعنصرية، التي صدرت عن أصوات متشنّجة من جمهور الخصم، جاءت بنتيجة عكسية تمامًا. فبدل أن تُضعف المنافس، زادت من تماسكه وشعوره بالمسؤولية. والتعصّب — في أي رياضة — لا يصنع فوزًا، بل يكشف خواء الفكرة حين تغيب القيم.

ومع ذلك، يبقى في هذا المنتخب لاعبون ننتظر منهم أكثر مما قُدِّم حتى الآن؛ صلاح، ومرموش، وإمام، وغيرهم، لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد، وربما لم تأتِ اللحظة التي تسمح لهم بإخراج أفضل ما لديهم.

وبينما نتطلع إلى المواجهة الثأرية أمام السنغال، لا يمكن النظر إليها بوصفها مسألة حسابات بحتة. صحيح أن الحذر ازداد لدى المنافس بعد ما حدث، لكن لكل مباراة سياقها، ولكل لحظة شروطها. وما يتبقّى لنا هو درس واحد واضح: التوقعات والحسابات لا تقرّر النتائج دائمًا.

في النهاية، الرياضة ليست مقياسًا للهوى العام، ولا ذريعة للعداوة أو الانقسام.

إنها مثال حيّ يذكّرنا بأن النتائج قد تتحقّق حيث تفشل الحسابات، وأن في كل معادلة — سواء في الرياضة أو الحياة أو العمل — عناصر غير مرئية لا تقل أثرًا عن الأرقام.