كتبت: نور إبراهيم
لا أعرفُ متى فتحَ الحبُ عيني بأشعتِه البرَّاقة ولمساتِه السحرية؟ رُبما كنتُ في الثامنة عشر من عمري حينما لمسَ أنفاسي ومَشيتُ معه إلى جنةِ العواطفِ العَاوِية، فتى عَلمنِي عبادةَ الحب بجمالِ عيونِه وأَرنِي خفايا العشقِ المكنون؟ فكلُ فتاةٍ تقع مقلتيها على ذلكَ الفتى ويظهر أمامَها على حين غفلةٍ تبدلَّ خريفُ أيامها إلى ربيعٍ زاهي وتتبدل وحشة الأيام للأنسِ يجعل لليالي معنى شعريًا مليئةً بالأنغامِ؛ أما أنا فكنتُ حائرةً أسترقُ النظرات خِلسةً، حتى لا تراني تلكَ الصبايا حقًا كنتُ حائرةً بشدةٍ عندما سمعتُ الحب يهمسُ شفتاي في أذانِ نفسي الخفية؛ فحياتي كانت مُظلمةً طامسة وأتى ذلك الفتى ليسكن قلبَ حواء المملوء بالأسرارِ و العجائب، قلبٌ حَرَّم الحبَ الآدمي وكان ذلك الحب بالنسبة لي عاصي على فردوس قلبي والذي طُرد منها بعدمَا اقترفَ خطيئةً لا تُغفر؛ أما عن ذلك الفتى فكان التقِي الوحيد الذي احتل تلك الفردوس بسيفٍ أخافني بشدة من لمعانِ حبه، ذلك الفتى الذي أَكمَل قلب حواء بحب آدمها واليومُ مَرت أعوامًا كثيرةً أجهلُ عددها وكيفية مرورها؛ رُبما كانت مشرقة للآخرين أما لي، فهي أعوام مظلمة كَسرت أجنحتي التي كنتُ أتطاير بها ظنًا أن فردسي أصبحت مِلكٌ لمحتلِها؛ ولكن كُسرت تلكَ الأجنحة الكاذِبة ولم تلتئِم رُغم مرور الأيام، وزالَ كل شيء ولم يبقَ سوى ذلكَ الحلم الجميل لم يبقى سوى تذكارات؛ رُبما موجعةً، لكنها محببة إلى فؤادِي، تذكاراتٌ تُرفرف بأجنحتها حولي كل ليلة؛ لكن كانت تقيدها دموع اليأس التي سَكنت أجفاني وتنهيدات الأسى التي تَملكت أعماقي، تذكاراتٌ غير منظورة؛ لأحد سواي، لكنها ذَهبت كما ذهبَ ذلك الفتى وغادرني تمامًا في غيهبِ الغسق ولم تبقى سوى غَصات أليمة تخترق فؤادي، وقبر لا يعلم أحد مدى ترابطه بي زال كل شيء وزالت لهفة الثامنة عشر و لمعة الحب في العشرينات وتقديس وجوده وأنفاسه، زالَ كل هذا ولم يبقى سوى ذلكَ القبر وهذا القلب اللذان يجمعهما رابط مقدس؛ فههنا دُفن مُحتلُ فردوسي، وأصبحَ من رفاتِ الرافدين تحتَ الثرى وأَصبَحَتْ المدافن خرساء؛ أما أنا فلم أَكُفُ عن الحديث، حيث ترفرف روحَ فتاي كل ليلة حول قلبي؛ كي يستأنسُ ذكرى تغُور لها الدموع وتَضمَحِل لها البسمات وتزداد إدماء ندبات الحزن إثر شعور الشوق الدفين، فبالأمس كان شَجية عقلي واليوم أصبح سرًا صامتًا في اللاوجود.
” مشاعر خرساء ”
سَأذكر فجر شبيبتي معه، فكنتُ مثلما المعتق من ثقلٍ وقيود الكآبة التي رافقتني زمنًا طويلاً، أعلن أن عهد الشباب ذهبيًا براقًا؛ أما أنا فكان عهد صباي لم يكن كذلكَ، فما هو إلا عهد آلام وصرخات خرساء تثور كعواصفِ الشتاء الهائجة، ويثور معها قلبي وتتناثر مشاعره، قلبي الذي كان يَهزأ في يومًا ما من طغيان الحب وهَواجسه والآن أصبح عبيد له، فلا يَعتقُ اللسان؛ كي يَتكلم، وحُبست الأجفان، وامتنعت عن النحيب، ومُلئت حَنجرتي بتنهيداتٍ، وشكواتٍ؛ لكنها خرساء مُحي صَوتها وهكذا أَصبحت حياتي جحيم تتضرَّم نيرانه بعد أن كانت مَهد للأحلام أصبحتُ أبحث كالتائة عن أسرار الأيام والليالي بين دقائق الأثير الغير مرئية لعيون أحد.
” شعلة غير مرئية ”
في شتاء ذلك العام الذي تبدَّل فيه حياة تناثرت الآن وأنارَت بشعلاتٍ لا أراها؛ رُبما شعلةٍ من المشاعرِ تجتاحَني، لكني لا أعلم ماهيتها؟ كنتُ أجلس مع صبية على ضفةِ نهر؛ فهي لم تسمى لدي سوى ” ضفة مَوعدنا ” كانت كل لقائتنا في ذلك المكان وأيضًا لقائنا الأول الذي تركَ رابطةً مقدسةً بين القلوب؛ كنت أجلسُ حينها وأجففُ شعري المُنسدِل مع الطبيعة والذي يَنساب بلا قيود، ففي ذلك اليوم المُفَعم بشعلاتٍ غير مرئية وأنفاس مُسكرة أتذكر إبتسامَاته التي كنتُ أُحدِّق بها بلهفة؛ فدومًا كنتُ أشعرُ بجاذبٍ خفي يدنيني إليه، كلانا صامتين والصبايا من حولنا يُثرثِرن؛ لكن سكوته كان بمثابة ترانيم مُخبئة بصدري الذي يخفق، فالصفةُ التي عَانقتُها في عيونه المتحدثة – رغم أن فاه مازال صامتًا – هي الكآبة الجارحة التي تركها لي عهدًا فيما بعد و غادرَ؛ حتى أصبح وِشاحُنا المعنوي الذي نرتديه هي تلكَ الكآبة الساكنة في العيون المتحدثة و التي تزهو في أرواحنا؛ فأنا أُصدقُ تلكَ الأسطورة التي تقول أن الآلهة جَعلت لكل واحد منا نصف يُكمله؛ حتى تصير الروحين في جسدٍ واحد، فإنني وجدتُ الكثير بين روحي وروح ذلك الفتى؛ فكانا كلانا يرى في الأخر شعلة مشاعره الغير مرئية، أما الآن أصبحتُ نصفًا لا يكملني سوى أشباح روحه التي تسبح في جسدي
حقًا إن النفس تستأنسُ نفسًا أخرى تماثلها، فرابطةُ الحب تشعل نيران الغبطة والسرور، وأيضًا رابطة الحزن دائمًا ما تجعلنا نغسل الحب بدموعِ العين؛ فحبُ ذلك الفتى سَيظل طاهرًا، حتى تتلاقى أَنفاسُنا؛ حتى الثرى.






المزيد
إيناس وويثرب (قصة قصيرة للأطفال)
وجوه لا تُرى (قصة قصيرة)
وجع مرئى :بقلم :سعاد الصادق