مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مسافة

Img 20250206 Wa0420

كتبت/ مريم نصر 

 

المسافة ليست مجرد فرق بين مكانين، بل هي مفهوم يمتد ليشمل المسافات التي نخلقها في حياتنا العاطفية، الفكرية، والاجتماعية. هي الفجوات التي نضعها بين أنفسنا وبين الآخرين، سواء عن وعي أو عن غير وعي، وفي بعض الأحيان، تكون المسافة هي التي تحدد علاقاتنا، تحدد كيف نرى العالم من حولنا، وكيف نتفاعل مع من حولنا.

في العلاقات الإنسانية، قد تكون المسافة جسدية، مثل البعد بين شخص وآخر بسبب المسافات الجغرافية أو ظروف الحياة. لكن في الكثير من الأحيان، تكون المسافة عاطفية أو نفسية. نشعر أحيانًا بأننا بعيدون عن الآخرين رغم وجودهم بجانبنا. قد تكون هذه المسافة نتيجة للخيبة أو الفقد أو حتى تباين الاهتمامات. وعندما تتسع هذه المسافة، يمكن أن تشعر كما لو أن هناك جدارًا غير مرئي بينك وبين من تحب، جدارًا يتراكم مع الوقت، يصعب اختراقه.

لكن، على الرغم من أن المسافة قد تكون علامة على الفراق، إلا أنها قد تكون أيضًا فرصة للنمو. في بعض الأحيان، يحتاج الشخص إلى المسافة ليعيد اكتشاف نفسه، ليقف بعيدًا قليلًا عن ضوضاء العالم ليفكر، ليشفي جروحه، وليراجع اختياراته. يمكن أن تكون المسافة بيننا وبين الآخرين أداة لتحديد أولوياتنا، لتجديد مشاعرنا، أو لإعادة تقييم علاقاتنا.

المسافة ليست دائمًا شيء سلبي. ففي بعض الحالات، قد تكون المسافة هي ما يسمح لنا بالنمو كأفراد. عندما نأخذ خطوة إلى الوراء، نتمكن من رؤية الصورة الكبيرة، ونفهم أعمق ما يحدث من حولنا. يمكن أن تكون المسافة أيضًا هي ما يعطينا الوقت والفرصة للتركيز على أنفسنا، على أهدافنا، أو على احتياجاتنا الخاصة.

ومع ذلك، تظل المسافة في بعض الأحيان محط قلق وألم. عندما تكون المسافة بين شخصين كبيرة جدًا عاطفيًا، قد يشعر كل منهما بالوحدة، وقد يصعب تجسير هذه الفجوة. في تلك اللحظات، يصبح السؤال: هل يمكن للمسافة أن تُختصر؟ وهل يمكننا أن نجد طريقة للعودة إلى بعضنا البعض؟

المسافة، في النهاية، هي حقيقة من حقائق الحياة. نحن في بعض الأحيان نحتاج إلى المسافة لنكون أقوى، ولكن في أحيان أخرى، نحتاج إلى تجاوزها لنشعر بالاتصال الحقيقي. المسافة هي ما يجعلنا ندرك قيمة الحضور، ويعلمنا كيف نُقّدر اللحظات عندما نكون معًا.