مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كبرنا قبل أوانا

Img 20250411 Wa0101

 

بقلم حياه احمد 

 

في حيٍّ شعبي صغير، حيث الجدران تحفظ أسرار الساكنين، وملامح الطفولة تختبئ خلف الهموم، كانت “ليلى” تسير كل صباح بكتابها العتيق، ووجهها الذي يحمل من البراءة ما يُكذّبه التعب في عينيها.

 

ليلى لم تكن كالأطفال في سنها، لم تعرف الدُمى ولا الضحك في الساحات، كانت تُنهي يومها بين غسل الصحون ومذاكرة دروس أخيها الأصغر، وبين سؤال أمها المتكرر: “كم بقي على نهاية الشهر؟”

 

كبرت ليلى قبل أوانها…

 

في المساء، كانت تجلس بجوار النافذة، تتأمل القمر وتحكي له همّها بصوتٍ خافت. كانت تحلم أن تصير طبيبة، أن ترتدي معطفًا أبيض وتُعيد الحياة في قلوب المرضى، لكن واقعها كان يُصرّ على تذكيرها أنها مجرد فتاة في حيٍّ منهك.

 

أما “آدم”، ابن الجيران، فقد كان يبيع المناديل عند إشارات المرور. طفلٌ في الحادية عشرة، يتحدث بلسان الكبار، ويحمل نظرة رجل عجوز في عينيه. لم يكن يملك سوى حلم صغير: أن ينام يومًا دون أن يسمع صوت الجوع يُوقظه.

 

التقيا ذات مساء على درج البناية، هي عائدة من السوق، وهو منهك من العمل. نظرت إليه وقالت:

“تظننا نعيش طفولتنا؟”

ضحك وقال: “طفولتنا سُرقت، يا ليلى… كبرنا قبل أوانا.”

 

مرت السنوات، وكبر الحيّ وكبر أطفاله… البعض هاجر، البعض استسلم، وآخرون، مثل ليلى وآدم، اختاروا أن يجعلوا من هذا الوجع وقودًا للنجاح.

 

كبروا حقًا، لكن هذه المرة في الوقت المناسب… بأمل، بعزيمة، وبقلبٍ لا ينسى أن الطفولة ليست زمنًا، بل إحساس لا يموت