الكنز :
بقلم: سعاد الصادق
في القرى البعيدة، حيث يقسو التراب كما تقسو الحياة، تظلّ العيون تبحث عن بارقة أملٍ تُنقذها من ضيق الواقع. ليست كل الأطماع طمعًا، فبعضها مجرد حلم للتشبث بالحياة عند تغلق فى وجهك ُالسُبل؟!
كانا يتبادلان التحية دون كلام؛ إذ كانت تشير إليه بيدها في كل مرة، ويكتفي هو بابتسامة خفيفة وهزّة رأسه.
لقد كان ثقيل السمع، منحني الظهر، شاحب الملامح، تتدلى لحيته البيضاء الطويلة التي تخالط شاربه، وله عينان ساذجتان تتثاقل جفونهما عليهما، ووجه مكرمش كقطعتَي ثوب باليتين.
كانت تمرّ عليه في الصباح والمساء في طريقها إلى الحقل، وفي كل مرة تُلقي عليه التحية، ثم تقف لثوانٍ قليلة تتأمل وجهه، وتحملق فيه بعينيها الحذرتين كعيني الثعلب، قبل أن تمضي مستأنفة السير فوق حمارها الضعيف.
كان لها وجه أسمر كلون الأرض، ويدان خشنَتان، وعود نحيل صلب كعود الحطب.
وذات صباح دافئ، استيقظ العجوز وجلس أمام كوخه الصغير المصنوع من أعواد الذرة وحبال الليف، فارداً رجليه المتورمتين اللتين كانتا بلون الجزر البلدي، يقلبهما في الشمس كأنهما على مدفأته. ثم أخرج من شواله قطعًا من الليف ليمارس عمله اليومي في فتل الحبال.
وحين مرّت عليه في نهاية ذلك اليوم وألقت عليه التحية، نظر إليها بوجهه الهادئ وابتسم. وقبل أن تتابع سيرها أشارت إليه بيدها، فناداها. اندفعت نحوه بشدة، فابتسم بفمه الغائر وهو يهرش لحيته العتيقة.
وحين اقتربت، مدّ يده ليسلّم عليها، فنظرت إلى يديه الخشنتين، وابتسمت ابتسامة ساخرة قائلة:
– إنهما أقذر من يديَّ، لطالما اشمأززت من نفسي حين أراك!
قبل أن يترك يدها، جذبها برفق إلى الأسفل وأجلسها، وقال بصوت خافت وهو يلتفت حوله:
– أنتِ يا فتاتي الصغيرة فتاة طيبة، وتعانين من العمل الشاق في الأرض، لذا أرجو منك أن تمرّي عليّ غدًا في الصباح الباكر، فقد احتفظتُ لكِ بهدية.
اتسعت عيناها حين سمعت كلامه. كانت تظن دائمًا أن هذا الرجل يخفي شيئًا ثمينًا، واليوم تأكد ظنها. أكّد عليها أن تأتيه مبكرًا قبل أن يزدحم الطريق بالمارّة، فهو لا يريد أن يراه أحد من أهل القرية حتى لا يطمعوا فيه.
وانطلقت فرِحة تكاد تجنّ من السرور، وباتت ليلتها تفكر في الهدية التي تنتظرها في الصباح.
“ترى، ماذا سيهديني هذا العجوز الساذج؟ أهي نقود؟ لا، ربما مصاغ أمه أو جدته… أو لعلها قطعة من كنزٍ مدفون؟! فهو عاش طويلاً، والقرية قريبة من وادي الآثار!”
وهكذا قضت ليلتها تحلم بالكنز الموعود، وعيناها تجولان في البيت القديم الذي كانت تتقزز منه.
وحين لاح الصباح بثوبه الأبيض وصاحت الديكة معلنة يومًا جديدًا، قفزت فوق حمارها تضربه بقدميها الخشنتين كالحجر الصوان حتى لا يبطئ السير.
وحين وصلت إلى الكوخ، رآها العجوز فابتسم وقال:
– انتظري هنا.
هزّت رأسها في ضيق:
“يا لك من متحفظ! لا تريدني أن أدخل الكوخ حتى لا أرى ما تخبئه… لابد أنك تملك الكثير!”
لم يمر وقت طويل حتى خرج العجوز بشوال، وألقاه أمامها. حين رأته اهتزت فرحًا وراحت تضحك، بينما هو يفتح الشوال ببطء وهي تراقب في لهفة.
وفجأة، إذ بعينيها تتسعان وهي تمد يدها داخله لتخرج حفنة من ثمار البلح!
صرخت بحدة:
– بلح؟ أيها العجوز الساذج!
أما هو فابتسم برضا، يضع التبغ في فمه ويهز رأسه قائلاً برجاء:
– لا تخبري أحدًا بهديتي لكِ.
كادت أن تصرخ، لكنها تماسكت، وألقت عليه نظرة ساخطة، ثم انصرفت غاضبة.
وفي صباح اليوم التالي، كانت تركب حمارها بوجه عابس، شارد النظرات، لا رغبة لها في الكلام ولا في إلقاء التحية كعادتها. كانت الدنيا في عينيها ضيقة كإبرة.
وحين اقتربت من الكوخ، رأت بعض أهالي القرية مجتمعين هناك، فسمعت أحدهم يقول:
– مسكين العجوز! ليس له أحد يعتني به، لقد وجدوه ملقى على الأرض ووجهه في التراب… لقد مات!
ما إن سمعت ذلك حتى قفزت من فوق الحمار بجنون، واندفعت داخل الكوخ مستغلة انشغال القوم بالعجوز. راحت تقلب في فراشه، وتفتش في الأكياس المكدّسة حوله.
“كم من الشوالات عنده! كلها مملوءة بالليف والحبال!”
وأخيرًا، عثرت على شوال صغير لكنه ثقيل، فأمسكت به بلهفة وهي تهمس:
– آه، هذا هو الكنز!
وبينما كان الناس منشغلين بالجثمان، خرجت مسرعة بالشوال وقفزت فوق الحمار متجهة إلى الحقل حتى لا يراها أحد.
جلست بين أعواد الذرة، وراحت تفك الخيوط بسرعة ولهفة، حتى وجدت داخله شيئًا ملفوفًا بخرقة.
صرخت في ضجر:
– تبا لك! دائمًا أشياؤك معقدة!
مزقت القماش بعصبية، فإذا بوحدات من ثمار البلح تتساقط على الأرض!
تجمدت للحظة، ثم انفجرت ضاحكة بجنون، وسالت دموعها وهي ترفع البلح إلى السماء صارخة:
– فليأكل الجميع من الكنز…..!!!






المزيد
حين خان القلب: بقلم: بسملة عمرو
شئ منى لآ يصعد: بقلم:سعاد الصادق
سعادة تغمر القلب