بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة جرائم هزّت الضمير العام، وأثارت قلقاً عميقاً في بنية المجتمع، لعل أبرزها:
• 2013 – قضية الطفلة زينة: متهمان دون الـ 18 عاماً يُلقيان طفلة من الطابق الحادي عشر عقب محاولة اعتداء فاشلة.
• 2021 – قضية بسنت خالد: مزيج من بالغين وأحداث؛ وشهدت تفاوتاً كبيراً في العقوبات رغم تقارب الأفعال الجرمية.
• 2025 – واقعة منيا القمح: طلاب في المرحلة الثانوية يستخدمون صاعقاً كهربائياً (Taser) في الاعتداء على زميلهم، مما يعكس تطوراً نوعياً في أدوات الجريمة.
هذه الوقائع لا يجمعها العنف فحسب، بل يجمعها “عنصر التخطيط”: استدراج، إعداد وسيلة، اختيار توقيت، ومحاولة طمس الأثر. ومع ذلك، يظل الفاعل –إن كان دون الـ 18– محاصراً داخل سقف عقابي واحد لا يتجاوزه القانون.
إشكالية الوعي الإجرامي.. حين يتجاوز الزمن
تكمن الأزمة في أن القانون المصري –وفق قانون الطفل– ينظر إلى كل من هو دون الثامنة عشرة باعتباره “حدثاً”، يُستبعد من أقصى العقوبات بسقف لا يتجاوز 15 عاماً من السجن.
إن فلسفة هذا التوجه نبيلة في أصلها؛ فهي تقوم على “الإصلاح لا الانتقام”، وعلى منح الصغير فرصة ثانية. لكن الإشكال لا يكمن في الرحمة، بل في تعميمها دون تمييز. فليس كل من أخطأ سواء؛ هناك من يزلّ في لحظة اندفاع، وهناك من “يجلس، يُفكّر، يُخطّط، ثم يُنفذ”. الأول أقرب إلى الخطأ العارض، أما الثاني فقد استوفى أركان الجريمة الكاملة بوعيٍ تام.
الفجوة بين “السن الرقمي” و”النضج العقلي”
علمياً، لم يعد سن الثامنة عشرة حداً فاصلاً للنضج كما كان يُتصوَّر. فالإدراك الجنائي –أي قدرة الإنسان على فهم خطورة فعله ونتائجه– لا يولد فجأة في يوم ميلاده الثامن عشر، بل يتشكل تدريجياً. وقد يمتلك مراهق في السادسة عشرة قدرة على التخطيط وإخفاء الأدلة تفوق ما لدى بعض البالغين.
حين يعلم الجاني أن هناك سقفاً عقابياً لا يمكن تجاوزه بسبب عمره، فإن ذلك يضعف “يقين الردع”. وهنا تجدر الإشارة إلى نماذج مقارنة، مثل المادة 91 من قانون العقوبات الإيراني، التي تفرق بين السن كرقـم والإدراك كحقيقة، حيث تُعاد محاكمة بعض الجناة الأحداث بعد بلوغهم بناءً على مدى إدراكهم وقت ارتكاب الفعل.
نحو “المفهوم الإدراكي للجريمة”
إن الطريق الأجدر ليس بهدم فلسفة الإصلاح، بل بإدخال معيار أكثر دقة: المفهوم الإدراكي للجريمة. بمعنى أن يُنظر إلى الجاني في الفئة العمرية (15-18 عاماً) من خلال:
1. القدرة على التمييز: هل كان مدركاً لتبعات فعله؟
2. التخطيط المسبق: هل الجريمة وليدة لحظتها أم نتاج تدبير؟
إن ثبت انعدام الإدراك، بقيت له الحماية؛ وإن ثبت الإدراك الكامل المقرون بالتخطيط، فلا يعود من العدل معاملته كمن لا يدري ما يفعل. وهذا الطرح يتسق مع المنطق الأخلاقي والديني؛ فالتكليف مرتبط بالبلوغ المقترن بـ “التمييز”.
خاتمة:
العدالة ليست أرقاماً تُحصى، بل موازين تُضبط. وما لم ننتبه للفارق بين من “أخطأ” ومن “خطّط”، سنظل ندور في حلقة يختلط فيها العفو بالخلل، وتضيع فيها الحدود بين الرحمة والإنصاف. آن الأوان أن نسأل السؤال الصحيح: ليس “كم كان عمره؟”، بل “ما مدى وعيه؟”






المزيد
هل المشكلة في الواسطة أم في النظام؟
فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة وعيد الأضحى من منظور علم النفس: الأثر على الفرد والمجتمع
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟