ضوء الأمل:
للكاتبة: سعاد الصادق
قصة قصيرة
في زوايا الحياة التي تُطفئ الأحلام قبل أن تولد، تظل هناك قلوب تُجاهد لتتنفس وتؤمن أن للإنسان حقًا في الضوء. هذه الحكاية ليست مجرد قصة فتاة، بل صوت لكل روحٍ حُوصرت خلف جدران القهر، وظلّت رغم ذلك تبحث عن نافذة تطل على الأمل…
كم مرةً وقفت سمر خلف سياجٍ من القيود، تنظر إلى العالم الممتد وراءه وتتمنى أن تعبر نحوه. سياجٌ من عاداتٍ وتقاليد غلّفت حياتها حتى صارت سجنًا من صمتٍ وحرمان. كانت تراقب الفتيات في عمرها وهن يحملن حقائبهن المدرسية، يضحكن في طريقٍ مفتوحٍ نحو الغد، بينما هي محاصَرة بأسوارٍ تمنعها من أبسط أحلامها. لم تكن تطلب المستحيل، فقط أن تُمنح فرصةً لتخطو خطوةً نحو الأمل، نحو حياةٍ تُشبهها وتليق بها.
كبرت سمر في بيتٍ تكثر فيه الأوامر وتغيب فيه الحنان. رحل والدها وهي طفلة، ثم رحلت أمها وتركتها وحيدة في عالمٍ لا يعرف إلا ظاهر الأمور. منذ صغرها سُلب منها حتى حقها في الحزن؛ كانوا يقولون عنها: «وجهها نحس… ليست وجه خير». ومع كل كلمة، كانت تشعر أن جدارًا جديدًا يُضاف إلى سجنها الصامت.
لكنها لم تستسلم. جلست إلى نفسها تقرأ كل ما تقع عليه يدها، وتعلّمت الكتابة من وريقاتٍ قديمة كانت تخبئها تحت وسادتها. كانت الكتب بالنسبة لها نوافذ صغيرة تتنفس منها الحياة. وفي الليالي الطويلة، كانت تكتب ما تشعر به على الورق وكأنها تبكي عليه.
كانت ترى احلامها سلّمًا صعب الوصول؛ درجاته عالية وطرقه ضيقة، وأحلامها تتدلّى في الأعلى كأنها بعيدة المنال. كانت تشعر أنها تعبر ممرًا يزداد اختناقًا كلما حاولت التقدّم، ورغم ذلك لم تنطفئ شمعة الأمل بداخلها، بل ازدادت وهجًا كلما اشتد الظلام.
لكنّ الله لا يترك من يُصرّ على النور. حين بدأت تكتب على صفحات التواصل الصغيرة، قرأ أحدهم كلماتها. لم يرَ فيها “التعيسة” التي رآها الناس، بل امرأةً قوية كُتبت ملامحها بالحزن وصقلها الصبر. اقترب منها لا ليُنقذها من نفسها، بل ليكون وطنًا تأوي إليه بعد التيه.
لم يكن رجلًا بالمعنى المعتاد؛ كان وطنًا لقلبها. أمانًا يُسكن خوفها، ويدًا تربت على روحها المنهكة، وصوتًا يقول لها: «لقد كنتِ دائمًا تستحقين حياة أجمل». معه لم تشعر أنها خرجت من السجن، بل كأنها فتحت الباب بنفسها وسارت نحو الضوء الذي ظل ينتظرها.
لم تختفِ الجدران فجأة، لكن داخلها اتسع. وجدت في هذا الوطن العوض، وفي صدقه الأمان. بدأت تكتب من جديد، لا عن وجعها، بل عن النور الذي خرج من رحم الظلام. لأول مرةٍ، لم تخف من الغد، ولم تبكِ من الماضي، فقط ابتسمت وقالت في سرّها:
“الحمد لله الذي جعل العوض جميلًا إلى هذا الحد، فقد جاء كنسيمٍ بعد عطشٍ طويل….
قد تختلف الطرق ويشتد الظلام، لكن القلوب التي تصرّ على النور لا تنكسر. وسمر… مثل كثيرات، لم تنتصر لأنها وجدت العوض فقط، بل لأنها آمنت أنها تستحقه. وفي النهاية تعلمت أن الحياة مهما قست، فإن الله يكتب لها لحظة عدلٍ تُعيد إليها ما فقدته…






المزيد
من يسمع صدى الأقلام
رسائل المحبة/ بقلم/ نازك حكيم
على درب الفكر تمضي الخطى بقلم/الكاتبة/ سعاد الصادق