حين يخطئ الفهم:
بقلم: خيرة عبدالكريم
في أحد الأحياء الهادئة، وعلى سور حجري قديم تحيط به الأشجار، عاشت قطة بيضاء جميلة تُدعى بياض، عُرفت بهدوئها ونظراتها العميقة. وكان صديقها المقرب شرشبيل، قط رمادي مرح، لا يتوقف عن الكلام والحكايات.
في صباحٍ مشمس، جلس الاثنان كعادتهما فوق السور. بدأ شرشبيل يتحدث بحماس عن خططه ليكون أشهر قط في الحي، يروي القصص ويجذب انتباه الجميع. كان صوته مليئًا بالحيوية، لكن بياض ظلت صامتة، تنظر بعيدًا.
فجأة، قالت بياض بنبرة حادة: “أنت قط نرجسي يا شرشبيل… تحب الظهور دائمًا، ولا تفكر إلا بنفسك!”
تجمدت ابتسامة شرشبيل، واتسعت عيناه بدهشة: “نرجسي؟! لم أقصد ذلك أبدًا… أنا فقط كنت أشاركك أفكاري!”
ردت بياض بغضب: “لا، أنت لا تتركني حتى أتكلم. كل شيء يجب أن يكون عنك!”
ساد الصمت للحظات، وكأن الريح نفسها توقفت لتستمع. خفض شرشبيل رأسه، وقال بصوت هادئ: “كنت أظن أنني صريح معك… وأنني أتصرف بشفافية. لم أتخيل أنك ستفهمين الأمر هكذا.”
شعرت بياض بشيء من التردد، لكن كبرياءها منعها من التراجع سريعًا. نظرت إليه مجددًا، لكنها هذه المرة رأت الحزن في عينيه.
قالت بنبرة أخف: “ربما… ربما أنا فهمت بطريقة خاطئة. لكنني شعرت أنني غير مهمة في حديثك.”
رفع شرشبيل رأسه وابتسم ابتسامة صغيرة: “أنتِ أهم من أي شيء يا بياض. وإذا كنتُ قد جعلتك تشعرين بالعكس، فأنا آسف.”
اقتربت بياض قليلًا وجلست بجانبه: “وأنا أيضًا آسفة لأنني حكمت عليك بسرعة.”
عاد الدفء إلى الجو، وبدأت الشمس تميل نحو الغروب، ترسم ظلالًا جميلة على السور. هذه المرة، عندما بدأ شرشبيل الحديث، توقف فجأة وقال مبتسمًا: “تفضلي أنتِ أولًا.”
ضحكت بياض، وبدأت تتحدث… وشرشبيل يستمع.
العبرة:
ليست كل الخلافات بسبب سوء النية، بل أحيانًا بسبب سوء الفهم. والاستماع الصادق يمكن أن يصلح ما تفسده الكلمات.






المزيد
من يسمع صدى الأقلام
رسائل المحبة/ بقلم/ نازك حكيم
على درب الفكر تمضي الخطى بقلم/الكاتبة/ سعاد الصادق