كتبت: ملاك عاطف
ملك أبو العمرين، عروسٌ زفّت أميرها إلى الجنّة قبل يومٍ واحدٍ من ميعاد عرسهما المنتظر، ليتحوّل بيت الفرح إلى بيت عزاءٍ يدفن تحت كثبان حزن ساكنيه فرحًا مؤجّلًا إلى الآخرة، وتسكن آهاتٌ طويلةٌ محفوفةٌ بتنهيداتٍ عميقة فؤاد الصبيّة العروس إلى الأبد.
في السابع من الشهر المنصرم، تقدّم الشاب أحمد غراب لخطبة صاحبة الصون والعفاف، ملك أبو العمرين. وتمّت الخطبة على خير، عمّت خلال ساعاتهما موجات من الإيجاب والقبول، وتلتها سعادةٌ غامرة. باشرت ملك بالتحضير لزفافها المنتظر بحماسٍ كبير، محاولةً هي وأحمد كسر قيد الحرب الخانقة ومنح الفرح فرصةً؛ لينبت زهورًا من بين شقوق المدينة المتّشحة بالوجع.
اقتربت ساعة الفأل، وباتت تفصل ملك عنها ليلةٌ واحدةٌ فقط، حدّثت خلالها شريك حياتها المستقبلي عن تفاصيل الغد، واتّفقت معه على أدقّ حذافيرها. ولم تكن تعلم أنّها كانت آخر محادثةٍ بينهما!
في صباح اليوم التالي، استيقظت ملك واتّصلت بأحمد مرارًا، غير أنّه لم يُجب. افترضت أنه نائمٌ كعادته، قبل أن تصلها دقائقُ ثقيلة محمّلة بالخبر المفجع. تلقّته رويدًا رويدًا بألمٍ لا يُضاهى.
بدأ الكابوس بصدمةٍ حين زارتهم خالة أحمد، وأنبأتهم أنّ المنزل قد قُصف على رؤوس أهله النيام. سقط والد أحمد شهيدًا، بينما هو ما يزال يتنفّس. بعباءةٍ وحجابٍ ارتدتهما على عجل، خرجت ملك إلى حيث يرقد عريسها، برفقة والدها، بعد وابلٍ من الرجاء أمطرته عليه كي يصحبها إليه. كانت تحلم باصطحابه معها إلى دير البلح، إلا أن نفاذ الأقدار كان أقوى من لهفتها واستعدادها للتضحية.
“لقيته عالأرض جثّة، ودمه… آخ، حاولت أصحّيه… على الفاضي.”
بهذه الجمل المقهورة، شرحت ملك وجعًا يتكرّر مع الأبرياء بالطريقة الوحشيّة ذاتها كلّ ساعة، على مرأى العالم أجمع، دون أن ينتفض أو يثور أو يحرّك ساكنًا.
وككل الغزّيين، ابتلعت ملك ذلك الكابوس الشائك، وسكّنت وخزه بالحمد، وأطبقت فؤادًا رققته البلوى على ما كان من ذكريات. فقد أخبرته سابقًا أنّها تخاف الفقد، وأنّها لا تريد أن تخسره… لكن طائرات العدوّ أخبرتها، وبكل عنف، أنّ ما أرادته مسحوقٌ لا مجال.






المزيد
77 عامًا على النكبة: جرح فلسطين المفتوح
نبتلع القهر ونحيا
إلى درويش