كتبت:كارلا سليمان
في الصّباحِ الباكرِ ومع فنجانِ قهوتكَ وجوٍّ من الهدوءِ يكفي أن تضغطَ زراً صغيراً ليحيطَ بكَ دفءُ أغاني فيروز والأغاني اللبنانيّةِ القديمةِ السّاحرةِ فتستمتع بها وتفكرَ بما ستفعلهُ هذا اليوم، ثم تضغط زراً أخر لتُغيِّرَ القناةَ فيصلكَ صوتٌ يعلنُ لكَ عن خدماتٍ أو منتجاتٍ، ربما لم تعجبكَ القناة فتعود مرةً أخرى لتغييرها ليصدحَ صوتٌ مع موسيقى حماسيةٍ يخبركَ بقولهِ:
“نشرةُ الثامنةِ صباحاً”.
فترفع الصوتَ درجةً أو درجتين وتستمعُ باهتمامٍ لأخبارٍ وأنباءٍ من حولِ العالم سياسية واقتصادية، فنية وثقافية.
تركبُ سيارتكَ قاصدًا وجهتكَ الّتي تريد فتضغطُ مباشرةً على زرٍ صغيرٍ يشبهُ ذلك الّذي ضغطهُ صباحًا لتستمعَ لأغانٍ وبرامجَ تسليكَ في طريقكَ أو تستمعَ لآياتٍ من القرآنِ الكريمِ بصوتِ منشدٍ تحبُّ سماعهُ.
تخيّل بمجردِ ضغطِ هذا الزرِ الصغيرِ يتدفقُ شلالُ الأصواتِ والموسيقى والكلماتِ، تخيّل كم نحنُ محظوظون بالإذاعةِ.
الإذاعةُ أجملُ ما اخترعهُ الإنسانُ على الإطلاقِ، واليوم تربطنا نحنُ البشرُ مع الإذاعةِ علاقةٌ وديّةٌ قويّةٌ فهي ترافقنا أينما كنا وفي أي وقتٍ كان في الليلِ والنهارِ، وسواء كنا في الطريقِ أو في الجامعةِ أو في النادي الرياضي أو في المقهى.
الإذاعةُ منبعٌ من الإبداعِ لهذا فهي تحتاجُ لمن لديهِ ملكةَ التعبيرِ وخلقِ الأفكارِ، ومن يعملُ مذيعًا يجبُ أن يمتلكَ موهبةَ الإلقاءِ والتأثيرِ وخامةَ الصوتِ والقدرةَ على اللعبِ بأنغامِ الكلماتِ، لأنَّ المستمعينَ لا يرونَ المذيعَ وحركاتِ جسدهِ الّتي تساعدهُ غالباً في إيصال الأفكار بشكلٍ أسرعَ وأوضحَ وإنما يعتمدون على حاسةِ السّمعِ لذلك عليه أن يجذبهم ويوصل الأفكارَ والمشاعرَ بمختلفِ أنواعها باعتمادهِ الصوتَ فقط، وعلى المذيعِ اختيارُ أجمل الكلماتِ والجملِ المناسبةِ الّتي تجذبُ السّامعَ وتدفعهُ للمتابعةِ، فضلاً عن قولهِ كلماتٍ مفتاحية في بدايةِ حلقتهِ ونهايتها، فمثلاً جملةُ “عزيزي المستمع” لها وقعٌ وسحرٌ خاصٌ بها فيتفاعلُ السامع معها ويشعر بالاهتمامِ وأنّهُ وحدهُ المقصودُ بهذه الجملةِ.
للإذاعةِ مَهمةٌ فريدةٌ فهي تَمزجُ بين تقديمِ المعلوماتِ وتوسيعِِ المعارفِ وتوليدِ مشاعرِ الحميمةِ والألفةِ بينها وبين الجمهورِ، وتقدّمُ الإذاعةُ برامجًا متنوعةً من نشراتِ أخبار وبرامجَ حواريةوثقافية وفقراتٍ دراميةٍ وبرامجَ اجتماعيةٍ تلامسُ حياةَ النّاسِ، وهنالكَ محطاتٌ إذاعيةٌ مُتخصصةٌ بمجالٍ مُعيّنٍ كالمحطاتِ السياسيةِ أو الفنيةِ أو الّتي تبثُ آياتٍ من القرآن والإنجيل.
منذُ أن انطلقت أوّلُ إذاعةٍ في العالم عام 1920 تعلقَ الناسُ بها وصارت رفيقَ يومهم ومصدرَ معلوماتهم الموثوق.
وتأكيدًا على أهميةِ هذه الوسيلةِ الإعلاميةِ المسموعةِ اتخذت “اليونسكو” يوم 13 شباط من كلِّ عام يومًا عالميًا للإذاعةِ.
أمّا في العالمِ العربيّ وتحديداً في 13 أيّار من عام 1934 صدحّ صوتُ “أحمد سالم” (هنا القاهرة) في افتتاحِ الإذاعةِ المصريّةِ لتصبحَ هذهِ الجملةُ عبارةً رسميًة يُعلَنُ بها بدءُ إرسالِ إذاعةٍ مصريّةٍ جديدةٍ، وفي عام 1947 ردت “دمشق” التحيّةَ لتقول (هنا دمشق) في افتتاح إذاعةِ دمشقَ العريقةِ الّتي تخرجَ منها العديدُ من المذيعينَ والمذيعاتِ، وأكثرُ ما كانَ يميّزُ إذاعةَ دمشق هو اهتمامها باللّغةِ العربيةِ الفُصحى اهتماماً كبيراً.
اليوم ومع التطورِِ التقني والتكنولوجي لم تعد الإذاعةُ محصورةً فقط في صندوقٍ صغيرٍ يبثُ المحبةَ قبل أن يبثَ موجاتهِ الإذاعيةَ وحلَّ محلَّهُ العديد من الوسائل التي تمكننا من سماعِ الإذاعة، كما أنّ الإذاعةَ فقدتْ إلى حدٍ ما بريقها وخاصةً لدى جيلِ الشبابِ الناشئ، ولكن لا يزالُ هنالكَ الكثيرُ من عُشاقها الذين يتخذونها رفيقاً دائماً عندما تطرقُ قطراتُ المطرِ نوافذهم شتاءً وفي ليالي الصّيفِ والسّهرِ.
الإذاعةُ أقربُ وسائلِ الإعلامِ إلى قلبي فهي تأخذني إلى زمنٍ تلتمُ فيه العائلةُ حولَ صندوقٍ صغيرٍ يُسمى “الراديو” لتستمعَ لأخبارٍ وأحداثٍ و برامج متنوعة، وكثيرًا ما أربطُ بين الراديو ووجودهِ في بيتِ الجد فالراديو غالبًا ما يكون صديقَ الجدِ والجدةِ وربما هذا ما يمنحهُ قيمةً إضافيةً في قلبي.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق