مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سيف الله المسلول

كتبت: آية الهضيبي

 

هُناك بعض الشخصيات التي خلَّدت ذكرها في التاريخ عن استحقاق ونالت الشرف والمكانة العُليا بجدارة وجعلت الأيادي تُصفق لها لِما صنعت من المجد، وجعلت الملوك في الدُنيا من الذين حصلوا على السُلطة ينحنون لهم احترامًا لِما نالوا أضعافهم ومِن هؤلاء الذين عند ذكرهم يطيب اللسان وتُعطر الأجواء هو خالد بن الوليد الذي لُقِّب بسيف الله المسلول.

إنه أبُو سُلَيْمانْ خَالِدُ بْنُ الوَلِيْدِ بْنُ المُغِيرَةْ المَخْزُومِي القُرَشِيُّ (30 ق.هـ – 21 هـ / 592 – 642 م) صحابي وقائد عسكري مسلم، لقّبه الرسول بسِيْفُ الله المَسْلولُ، اشتهر بعبقرية تخطيطه العسكري وبراعته في قيادة جيوش المسلمين في حروب الردة وفتح العراق والشام، في عهد خليفتي الرسول أبي بكر وعمر في غضون عدة سنوات من عام 632 حتى عام 636، يعد أحد قادة الجيوش القلائل في التاريخ الذين لم يهزموا في معركة طوال حياتهم، فهو لم يهزم في أكثر من مائة معركة أمام قوات متفوقة عدديًا من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية الفارسية وحلفائهم، بالإضافة إلى العديد من القبائل العربية الأخرى.

اشتهر خالد بانتصاراته الحاسمة في معارك اليمامة وأُلّيس والفراض، وتكتيكاته التي استخدمها في معركتي الولجة واليرموك.

«ما استحق أنْ يولد مَن عاش لنفسه فقط » ومَن يهده الله فلا مُضل له؛ فَسُبحان الذي جعل حياته تتحول مِن مُشرك يُقاتل ضد المُسلمين إلى مُسلمٍ من أشجع الفرسان في الحق يُقاتل معهم، ذلك الذي توَّج التاريخ بذكره بإكليل الانتصارات

ولا أحد يصل بسهولة إلى أي مكانة فكان هناك ما يؤهله لذلك من الصفات:

الكرم والجود: فقد اشتُهر خالد بالكرم وحب العطاء، فكان يهب العطايا لأشراف العرب من ماله الخاص، وكان -رضي الله عنه- محبًّا مضحّيًا بنفسه مؤثرًا الآخرين على نفسه؛ طمعاً في نيل الأجر والثواب من الله -سبحانه-. الرأي والحكمة: فكان خالد -رضي الله عنه- صاحب رأيٍ ومشورةٍ، وعُرف عنه عمق التفكير، إذ لا يُصدر رأيه إلّا عن تبصّرٍ ورويّةٍ. الشجاعة: فكان ابن الوليد مضرب مثلٍ عبر العصور في شجاعته، ثابتٌ ومثبّتٌ لغيره، فقال أبو بكر فيه: “عجزت النساء أن يُنشئن مثل خالد”. العلم: كان خالد بن الوليد على علمٍ بأحكام الجهاد؛ لحاجته إليه وقيامه له، إلّا أنّه لم يكن على قدرٍ كافٍ من العلم بالعلوم الأخرى مقارنةً مع غيره من الصحابة الذين رافقوا النبي -عليه الصلاة والسلام- مدةً أطول. الفصاحة والبلاغة: كان خالد -رضي الله عنه- خطيباً مفوّهاً فصيحًا، فقد ألقى خطبةً بعد مبايعة أبي بكر الصديق أثنى فيها عليه، وأثنى على خطبته أحد الشعراء.

اعتنق خالد بن الوليد الإسلام بعد أن جاوز الأربعين سنةً من عمره، وكان ذلك بعد أن أرسل له أخوه رسالةً خاطبه فيها قائلاً: “سألني رسول الله عنك، فقال أين خالد؟ فقلت: يأتي به الله، فقال: ما مِثلُه جَهِلَ الإسلامَ، ولو كان يجعل نِكايتَهُ مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولَقَدَّمْناهُ على غَيرِه، فاستدرك يا أخي ما فاتك منه فقد فاتتك مواطن صالحة”، فخرج خالد على فرسه متّجهاً إلى المدينة، وسار معه عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة، ووصلوا إلى الرسول، وكان ذلك في اليوم الأول من شهر صفر في السنة الثامنة للهجرة، فلما دخلوا على رسول الله سلّموا عليه، وردّ عليهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- باستبشارٍ، وطلب منه خالد أن يستغفر له، ففعل.

المعارك والغزوات التي شارك فيها خالد بن الوليد:

غزوة مؤتة وقعت غزوة مؤتة بعد مقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي الذي بعثه الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- إلى هِرَقل ليدعوه إلى الإسلام وتوحيد الله تعالى؛ فقتلوه، وبعدها سيّر الرسول جيشًا من المدينة نحو بلاد الشام بقيادة زيد بن حارثة مع ثلاثة آلاف مقاتل، وعيّن الرسول جعفر بن أبي طالب بعد زيد ثمّ عبد الله بن رواحة، وكان خالد -رضي الله عنه- أحد جنود المعركة، ووصلوا إلى معان وأقاموا فيها ليلتين ووصلتهم الأخبار بكثرة عدد الروم، واستُشهد القادة الثلاثة في المعركة، وسُلّمت الراية لخالد بن الوليد، فأخذ على عاتقه إخراج المسلمين من القتال بأقل الخسائر الممكنة، فأعاد ترتيب الجيش بخطةٍ تُوهم العدو بوصول مددٍ للمسلمين، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، واستبدل مقدّمة الجيش بالمؤخّرة، كما كان -رضي الله عنه- مندفعاً للقتال والجهاد ممّا كان سبباً في إثارة الحميّة في صفوف المسلمين، وشنّ هجماتٍ سريعةٍ متواليةٍ على العدو. واستطاع خالد أن يخرج القوة الأكبر للمسلمين ثمّ المؤخرة دون قدرة العدو على مطاردة المسلمين؛ اعتقاداً منهم بوصول إمداداتٍ إليهم، ولم تلحق بهم الكثير من الخسائر مقابل خسائر الروم، وكان الرسول في المدينة يروي أخبار المعركة للمسلمين، إلى أن قال -عليه الصلاة والسلام-: (ثمَّ أخذ الرَّايةَ سيفٌ من سيوفِ اللهِ خالدُ بنُ الوليدِ ففتح اللهُ عليه)، وبذلك لُقّب خالد بن الوليد بسيف الله. فتح مكة وقع فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وذلك بعد أن نقض المشركون صلح الحديبية، فتجهّز النبي والمسلمون لدخول مكة، وتجهّز الجيش بأربع مجموعاتٍ، وجعل النبي -عليه السلام- خالد بن الوليد أميراً على الميمنة ليدخل مكة من الجنوب باتجاه الشمال، وأوصى النبي -عليه الصلاة والسلام- بعدم قتل أي أحدٍ إلّا من قاتل وغيرها من المعارك أيضًا فهو قدوة حسنة.