مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

زهايمر

Img 20250111 Wa0003

 

سُندس خالد حمّامي 

 

كانَتْ “شَوق” كلَّ يومٍ تستَيقظُ على ورقةٍ مكتوب عليها مهامها اليَوميّة، في حقيبتها دائماً تحمل دفتراً صغيراً وقلَم وإن أرادت أيّ شيءٍ تسجّل عليه، ذهبَت للتسوّق وهي داخل باص النّقل تذكّرت أنّها تريد أن تشتري بُن لمنزلها فأخرجَت دفترها وكتبت بُن، كانَ يقف بقربها شابٌ وكانَت عينهُ على وجهها وعلى ما تكتب فشعرَت بهِ يتسلَّل بالنظرِ إليها فرمقَت وجههُ ثمَّ أدارَت وجهَها عنه، ووضعَت دفترها داخل حقيبتها، لم يمرّ دقيقة إلّا ونطَف باسمها “شوق” أدارَت وجهَها إليه وسألتهُ مَن أنت؟

-هل نسيتي مَن أكون؟

-أعتذر منك لكنّي لم أتذكّر…توقَّفَ الباص على موقفٍ في شوارعِ دِمشق فاعتذرَت منهُ للنزُول ابتعدَ لها وهي عندَ مقطعِ الطريق “شوق” توقَّفت وأدارت وجهها إليه لكنّها لم تتذكّرهُ وقفَت وصفنَت في وجههُ

-أنا أعتذر منكِ لم أعرفكِ بنفسي، أنا “وائل” صديقكِ في الجامعة هل تذكرتينني؟

-اعتذر منك لم أتذكّرك أبداً، ماذا تعرف عنّي؟

-هل لي بكوبٍ مِنَ القَهوة معكِ لأخبركِ

-لا أستطيع فأنا مشغولة 

-لن أضغط عليكِ أكثر هل لديك قلم وورقة؟

-نعم 

-أعطِني من فضلك…أخرجَت قلما ودفترها وفتحت له على صفحةٍ بيضاء، فكتب لهَا رقمه وأعطاها إياه وأخبرها بأنهُ يريد التواصل معها، اخبرته أنها متأخرة اخذت دفترها وقلمها ووضعتهم في الحقيبة، في طريقِ العَودة وجلست في حديقةٍ مقابل منزلها، فأخرجت دفترها لترى إذا قد نسيت شيء فتذكّرت رقمهُ “وائل الكاسر” وضعت يدها على رأسها لتتذكر فلم تتذكّر، اغلقت دفترها وعادت للمنزل، وضعت القليل من الرز مع الدّجاج المقلي وجلست تأكل، انتهَت من الطَّعام فأعدت فنجاناً صغيراً من القهوةِ،

أمسكت هاتفها وبدأت تقلّب بصفحاتِ المواقع، كانَت شوف تعيش في منزلها وحدها، توفيّ والديها بحادث سير وأثرِ ذلك الحادث أُصيبت بزهايمر مبكّر، حيثُ أنَّ عمرها لا يتجاوز الخامسة والعشرون ولم يكن لدبها أخوة كانَت وحيدة ولديها هذا المنزل الّذي يذكّرها بعائلتها فقط وكانَ لموتهم أثرٌ على نفسيّتها ولولا أحبائها ما كانَت لتعيش، كانَت تحيطُ بها جارتها المُسنّة وتنتبه عليها وكانَت تكتبُ لها على كلِّ شيءٍ ما يكون وما هو كي تعلَم بكلِّ شيءٍ من حولها.

بعدَ مرور ثلاثة أشهُر وهي في طريقها إلى منزلها فوجئَت بباقةٍ من الوَرد على بابِ منزلها حملتها وتتلذَّذ بجمالِ الأُقحُوانِ الأبيَض أخذت الورقة بيدها وقرأت “وائل الكاسر” أليسَ هو كيفَ لهُ أن يعلم أينَ موقع منزلي وأينَ أنا، أخذت بالورود ووضعتهم على طاولةٍ أمام التلفاز في صالةِ الجلوس وفتحت دفترها “وائل الكاسر” هذا هو بذاتهِ هذا “وائل”، اخذت بهاتفها واتصلت بهِ،

-ألو

-مرحباً

-هل وصلكِ نوع الوَرد الّذي تفضّلينهُ

-نعم، وصلني لقد تأكدتُ بأنَّك تعرفني جيّداً، شكراً لك لكن كيف عرفت منزلي؟

-هل تذكرين المرة التي رأيتكِ بها، بقيتُ أراقبكِ من بعيد

-ما الذي دفعكَ لمراقبتي؟

-شوقي لكِ

-عفواً!

-ألا تذكرين كم كنّا نبقى معاً، اشتقتُ لأجراسِ ضحكاتكِ…صمتت “شوق” وهي تنظر من نافذتها إلى الخارج ودموعها تنزلق من عينيها لأنّها لا تستطيع تذكّره، مررتُ بالكثير يا “وائل” اعتذر منكَ كثيراً لا أتذكّر شيء، 

-لا تقلقي سنحلُّ هذا معاً

-أريدُ أن أغلق الآن، شكراً مرّةً ثانية…أغلقت هاتفها وجلست تبكي على ما مرَّ بها، رأسها يدور من كثرة التّفكير وكلّ شيءٍ يأخذها يمنةً ويُسرى، حتّى وقعَت أرضاً.

كانَ “وائل منذُ معرفتهُ لها وهو يقرأ عن “الزَّهايمر” وما هو، كانَ يقرأ أنَّهم عندَ كثرةِ التَّفكير يقعونَ أرضاً، وعندَ إغلاقها للإتصال كانَت تبكي، ربطَ الأحداث ببعضها وجلسَ يفكّر بها، اتصلَ كثيراً فلم تجِب، بعد لحظات يرنّ هاتفه “شوق” 

أخذَ الهاتف بيديه وفتح الاتصال، لا أعلم من تكون لكنّك اتصلت كثيراً،

-مرحباً يا خالة أنا “وائل” أين شوق؟

-أينَ “شوق”؟

-نحن في المستشفى التي قربَ منزلنا، قسم الإسعاف، وقعت أرضاً وأنا جارتها، إن كنت صديقها تعال وساعدني لا أستطيع ان أبقى معها وحدي يا بنيّ فإني متعبة

-أنا آتٍ يا خالتي آتٍ…أخذَ سيّارتهُ مُسرعاً للمستشفى، وصلَ وهو يركض ودموعه على أطرافِ عينيه، ويوقف الممرضات اينَ قسم الإسعاف، استدلَّ ووصلَ إليه، ينطق بصوتٍ متحشرج مريضة اسمها “شوق” أينَ هي؟ في هذهِ الغرفة على اليمين

-شكراً لكِ

ركضَ ودخلَ إليها مسرعاً، مرحباً خالتي أنا “وائل” تفضّل بالجلوس، أنا سأعود إلى المنزل الآن لم آخذ جميع أدويتي أتيتُ مُسرعة دونهم، انتبهِ إلى نفسكِ وشكراً لكِ.

وهو يحسب الدقيقة بالّتي بعدها، وبعد مرور سبعةَ عشر دقيقة نظرَ إليها فهي تتحسَّس وجود يدهُ بيدها، فتحت عينيها ونظَرَت إليه،

– “وائل” ما الّذي أتى بك إلى هُنا

-أتيتُ لأرى جمالكِ وأنتِ في المستشفى…سحبت يدها من يده وجلست بهدوء

-اتصلت بكِ كثيراً، حتّى اتصلت بي جارتكِ الحَنونة وأخبرتني عن مكانكِ وأتيت

-أمممم، شكراً لكَ يا صديقي أتعبتكَ معي كثيراً

-لا بل هذهِ فرحةً لي

-ابتسمت وسألتهُ متى سأخرج من هنا انتهى هذا المَصل؟

-لا أعلم، حتى وإن انتهى لا يجب أن تخىجي الآن

-بلى في كلِّ مرةٍ آتي بها إلى هُنا أخرجُ بعدَ انتهائهِ، اعتدتُ على ذلك، لأنّي أُعاني من “الزهايمر”…كانَ بعلمُ بهذا لأنّها أخبرتهُ مرّةً عندما أوقفها في الطريق، جاءت الممرضة واخبرتهم أنهم يستطيعون الخروج بأي وقتٍ يريدونه، فانتفضت”شوق” مسرعة أخرجني باللهِ عليك لقد مللت

-حسناً يا أقحوانة اصبري قليلاً

نظرت إليه وابتسمت، أمسكَ بيدها وأخبرها انهم سيذهبون بسيّارته، أوقفها عندَ باب المستشفى ليجلب سيّارتهِ وبعدها أوصلها إلى منزلها،

-شكراً لك

-على الرُّحبِ والحُبِّ دائماً

وبعدَ شهرَين من مرورِ علاقتهم، أخبرها بأنَّهُ سيأتي لخطبتها، فهوَ يحبّها من أيّامِ الجَامعة وعندَ حادثِ أهلها تركت جامعتها وابتعدت عن الجميع خوفاً من الضَّياع، أخبرتهُ بأنه سيتعذب معها وكانَ دائماً على قبولٍ معها بأنَّهُ لن يتركها أبداً وسيساعدها في عودة ذاكرتها لها ولتتذكّره من جديد، كانَ يعلم ما تحبّ دونَ أن تتكلّم، ويحضرهُ لها، كانَ يشعرُ بها عندما تكون متعبة دونَ أن تخبرهُ

“شوق” وبعدَ تلكَ السنين التي بقيت وحيدة بها أصبحت تضحكُ دائماً وحياتها مليئَة بالحُب، مع الشخص الأحبّ لقلبها وبما تحبّ