كتبت: هاجر حسن
يقول دوستويفسكي : ” يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو ألا أكون جديرًا بآلامي”
أقف الآن برفقة مريضة شابة، اغتال المرض منها عمرًا كانت تتمناه لو كان في مكان آخر، وأما الحياة فقد سرقت منها مبكرًا السعادة والبهجة، وأبدلتها مكانهما الألم والمعاناة، تجلس أمها مقابلها ترقبها وهي تود في قرارة نفسها لو كان هذا المرض لها لا لابنتها.
نظراتها خليط بين رجاء صامت وألم دفين، وكأنها تتضرع إلى السماء ليخفف الله عبء المرض عن صغيرتها، بينما يغلفها شعور بالعجز يغلفها يمزق روحها.
أي عجز أبلغ من أن تشاهد آلام من تحب وهي مكتوفة اليدين! وأي قهر أشد ضراوة من أم تقف عاجزة أمام مرض يفتك بعمر وصحة طفلتها!
ورغم كل هذا، ارتسمت على وجه الفتاة ابتسامة واثقة، كأنها تعلن تحديها للألم، وهمست لوالدتها بصوت يفيض طمأنينة: “روحنا ملك الله، والله في قلوبنا، لا ينسى عباده. لا تخافي.”
قطع رنين الهاتف صمت الغرفة المهيب. رفعت هاتفها بهدوء، وكأنها تستمد منه قوة خفية، ثم تحدثت بصوت يفيض ثقة: “نعم، سيدي، سأصل غدًا في الميعاد. نعم، لقد جهزت الكلمة الافتتاحية. أشكرك.” أغلقت الهاتف، ثم التفتت إلى والدتها بابتسامة مطمئنة وقالت: “إنه نقيب المهندسين، يتصل ليؤكد موعد الحفلة التكريمية لتكريمي على إنشاء أول مكيف هوائي يعمل بالغاز.”
وقفت أمامها صامتة، كأنني نسيت الكلمات. سيطر علي شعور غريب، مزيج من الانبهار الذي بخطف الأنفاس والخجل الذي يثقل الروح. فتاة تعاني من مرض ينهش عمرها وصحتها، لكنها لا تبالي. إنها تتحدى الألم بابتسامتها الساحرة وشغفها ونجاحها.
في تلك اللحظة، تذكرت مقولة دوستويفسكي.
هنا، تفهمت ما كان يخشاه. هنا أدركت أن من الألم قد نصنع سفينة تعبر بنا محيطات الحياة.
أن نجعل الألم والمعاناة، سيفًا ذا وجهين نحارب به قساوة الأيام.
خجلت من نفسي وأنا أتأفف من مرضي وأثور على الحياة، أعتزل كل شيء وكأنها النهاية، رغم أن الله أنعم علي باكتشافه في أول مراحله.
“روحنا ملك الله، والله في قلوبنا، لا ينسى عباده”، لن أنسى مقولتها تلك أبدًا، شعرت بطمأنينة تسري في روحي، وأمل وعزيمة تغلبان مخاوفي، وتحثاني على تحدي الحياة.
لم تكن الفتاة مجرد إنسانة تعاني، بل كانت رسالة حية بأن الألم حين يُعاش بكرامة، يتحول إلى مصدر قوة، ويمنحنا سببًا أعمق للحياة. لقد كانت جديرة بألمها، وصنعت من معاناتها جسرًا للعبور نحو النجاح. وهنا، أدركت عمق كلمات دوستويفسكي.






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي