مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح البعوض شاهدًا على المأساة

Img 20250420 Wa0008

كتبت: سارة أسامة النجار 

 

في غزة، لم تعد الحرب مجرد قنابل تسقط وصواريخ تهوي، بل تحولت إلى تفاصيل دقيقة تخنق الحياة، حتى في أدق أجزائها. في الأزقة الضيقة وبين جدران البيوت المهدمة والخيام البالية، يزحف البعوض بكثافة كأنه يقتات على جراح الأرض ودماء لم تجف، وعلى حياة تتآكل تحت وطأة العدوان والحصار.

 

هنا، حيث يختلط الغبار برائحة الموت، وحيث تغيب الأدوية والمبيدات كما تغيب الكهرباء والماء، تتكاثر الحشرات دون قيود، تهدد أجسادًا أنهكها الجوع والمرض. ليس مجرد ذباب يطوف في الهواء، أو بعوض يتسلل ليلاً، بل هو وجهٌ آخر للمأساة، يروي بصمته كم هو قاسٍ أن تحارب حتى للحفاظ على أنفاسك.

 

في غزة، كل شيء أصبح حربًا؛ حتى النوم تحول إلى رفاهية، والاستيقاظ بلا لدغات بات حلمًا بعيد المنال. الحصار لا يقتل فقط بالمدافع، بل يزرع أعداءًا صغارًا يتسللون إلى الأجساد الضعيفة، يحفرون أوجاعًا جديدة في ظل عجز المستشفيات، وغياب العلاجات، وانتظار طويل لرحمة لا تأتي.

 

هذا الوجه الآخر للدمار، حيث يشارك البعوض في الحصار، ليس مجرد تفاصيل هامشية، بل هو امتداد للمعاناة التي ترفض أن تنتهي.

 

مع العدوان الإسرائيلي المستمر، تتفاقم الأسباب المساهمة في انتشار البعوض والحشرات من بينها تكدس النفايات فأدى العدوان إلى تدمير البنية التحتية، بما في ذلك خدمات جمع النفايات. فأصبحت القمامة في الشوارع ومخيمات النزوح بيئة مثالية لتكاثر البعوض والحشرات.

 

علاوة على طفح مياه الصرف الصحي حيث أن استهداف محطات معالجة المياه أدى إلى طفح مياه الصرف الصحي في العديد من المناطق، ما ساهم في انتشار الحشرات الناقلة للأمراض.

 

بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء المستمر يعطل تشغيل مضخات المياه وأنظمة الصرف الصحي، مما يفاقم المشكلة.

 

كل هذا يأتي مع ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الظروف البيئية الملائمة لتكاثر الحشرات، مما يزيد الوضع خطورة.

 

وفي ذات السياق أصبح انتشار البعوض والحشرات عاملًا رئيسيًا في تفشي الأمراض، إذ يعتبر البعوض ناقلًا لأمراض خطيرة مثل حمى الضنك والملاريا، بينما يُسهم الذباب في انتشار الأمراض الجلدية والتهابات الجهاز الهضمي.

 

مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار، يواجه القطاع الصحي في غزة صعوبة بالغة في التعامل مع الأعداد المتزايدة من المرضى. ويعاني السكان، خاصة الأطفال وكبار السن، من تأثير نفسي واجتماعي كبير بسبب هذه الظروف.

 

كما أن الحصار المفروض على القطاع يمنع دخول المبيدات الحشرية والمعدات اللازمة لمكافحة الحشرات.

 

ومع استهداف محطات معالجة المياه والصرف الصحي يجعل السيطرة على البيئة الملوثة شبه مستحيلة.

 

ورغم التحذيرات من المنظمات الإنسانية، لم يكن هناك استجابة فعالة لتقديم الدعم اللازم للحد من انتشار الحشرات والأمراض.

 

في غزة، حتى البعوض أصبح مقاومًا! بينما العالم يناقش أحدث صيحات الموضة وأسرع السيارات، يعيش سكان القطاع معركة يومية ضد أعداء لا يُرى لهم نهاية. ليس فقط القصف والحصار، بل أيضًا جيوش البعوض والذباب التي قررت أن تكون جزءًا من المشهد.

 

تخيل أن تكون في غزة، حيث عليك أن تحارب للبقاء على قيد الحياة، وتحارب أيضًا لتنام دون أن تصبح وجبة عشاء للبعوض. وهكذا، يصبح البعوض رمزًا جديدًا للمعاناة، يشارك في الحصار وكأنه يقول: “أنا هنا لأكمل ما بدأته القذائف!”

 

في غزة، حتى الحشرات لها دور في الحرب، وكأنها تقول للعالم: “إذا كنتم مشغولين، نحن هنا لنذكركم بأن المعاناة لا تنتهي.” ومع كل لدغة، يزداد السؤال إلحاحًا: هل سيبقى العالم صامتًا حتى يصبح البعوض هو الناطق الرسمي باسم المأساة؟!