مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين غاب وجهك يا أبي بقلم آلاء بدران حجازي 

يا من كنتَ لي وطنًا يسع قلبي حين تضيق الدنيا، يا من كنتَ جدارًا أتكئ عليه كلما مالت بي الحياة، رحيلك لم يكن حدثًا عابرًا… بل زلزالًا هزَّ أركان عمري، خلّف في روحي شقوقًا لا ترممها الأيام، وفراغًا لا يملؤه شيء.

 

أبي، مذ غادرت، تغيّرت خارطة الأشياء، صار البيت صامتًا، الأركان تبكيك في الخفاء، وصورتك المعلقة على الجدار صارت أشبه بمرآةٍ تعكس وجعي كلما نظرتُ إليها.

هل تدري يا أبي كم من الليالي بكيت فيها دون أن يسمعني أحد؟ كم تمنّيتُ في لحظات ضعفي أن أضع رأسي على صدرك، أن تخبرني أن كل شيء سيكون بخير كما كنتَ تقول، وكنت أصدقك… فقط لأنك أبي.

 

لقد كنت صديقي حين خاصمني الجميع، وناصحي حين ضللت، كنت أنت الحنان في شدته، والحكمة في صمته، كنت الحضن الآمن الذي لا يُشبهه حضن. ومنذ رحيلك، صارت الحياة تسير بي على قدمين من غياب، أبتسم ولكن قلبي معك، أضحك ولكن روحي معلقة بذلك المكان الذي نُقشت فيه حروف اسمك على حجر.

 

أتعلم، لم أعد أخاف من الموت، فهناك في الضفة الأخرى، يسكن من تمنيت لو بقِي إلى آخر عمري.

أدعُ الله في كل سجدة أن تكون في نعيمٍ لا ينقطع، أن يسكنك دارًا خيرًا من دارنا، وأن يجمعني بك في جنةٍ لا فراق فيها.

 

أبي، لو كان يُهدى العمر لعطيتك ما تبقى من أيامي دون تردد، فالحياة بعدك باهتة، والصبر ثقيل، وكل شيء ناقص… إلا الدعاء، فدعائي لك لا ينقطع، هو الوصل الأخير الذي لا يمكن للموت أن يقطعه.

 

نم هادئًا يا أبي… فمكانك في القلب لا يشيخ، ولا يغيب.