مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الذكريات بقلم مريم جمال   

في الصمت ، عندما يغفو العالم وتنكسر ضجته، تخرج الذكريات من مخبئها كشهب عابرة تضيء سماء الروح للحظة ثم تختفي. يعود الماضي كضيف ثقيل، يجلس بجانبك دون استئذان، يفتح أوراقه القديمة ويبدأ بسرد الحكايات. حكايات من زمن مضى، كان الفرح فيها عابرا والحزن أطول بقليل،الذكريات غريبة تختار أن تبقى تلك التي تؤلمنا، وكأن الألم هو الوحيد الذي يستحق البقاء. أما لحظات السعادة فتذوب كالثلج تحت شمس الصيف، نعرف أنها كانت هنا، لكننا لا نستطيع الإمساك بها. كم من مرة وقفت في زاوية الغرفة، أغمض عيني، وأحاول استدعاء صوت أحباب رحلوا؟ لكن الأصوات تتبدد، والوجوه تبهت، ويبقى القلب معلقا بين السماء والأرض.

الزمن لا يرحم. يسحب البساط من تحت أقدامنا بلا سابق إنذار. نستيقظ يوما لنجد أنفسنا غرباء في زمن لم نعد نعرفه. الأماكن نفسها، لكن الأرواح تغيرت. الوجوه التي كنا نعرفها صارت أشبه بأشباح من عالم آخر. حتى نحن لم نعد كما كنا. المرآة تقول الحقيقة التي نخفيها عن أنفسنا: الوقت يمر، ونحن لا نلاحقه.

في هذا الكون الواسع، نحن مجرد نقطة صغيرة تائهة في بحر الزمن. نكتب قصتنا على صفحات الريح، ثم نتفاجأ أن الريح لا تحتفظ بشيء. نحاول أن نترك أثرا، أي أثر، لكن الأمواج تأتي لتغسل كل شيء. لماذا نصر على البقاء في ذاكرة من ننسى؟ ولماذا نخاف من النسيان وهو المصير المحتوم لكل ما هو جميل؟

أحيانا، في لحظة صفاء نادرة، أسأل نفسي: هل كان كل هذا يستحق؟ الألم، الفرح، الانتظار، الفراق؟ ثم أتذكر أن الحياة ليست سوى رحلة قصيرة في قطار سريع. النوافذ مفتوحة، والمشاهد تمر بسرعة، وبينما نحاول الإمساك بلحظة ما، نجد أنفسنا قد وصلنا إلى المحطة الأخيرة.

يبقى الحب هو اللغة الوحيدة التي لا تشيخ. قد تموت الأجساد، تختفي الأصوات، تندثر الأماكن، لكن الحب يبقى كشمعة مطفأة، جاهزة للاشتعال مرة أخرى بمجرد أن تمر عليها نسمة حنونة. ربما هذا هو سر بقائنا: أن نحب، أن نُحَب، وأن نترك خلفنا بصمة قلب لا ينسى.

الليل يطول، والذكريات تتكاثر، ونحن هنا، بين الماضي الذي لن يعود والمستقبل الذي لا نعرفه، نحاول أن نعيش الحاضر. لكن الحاضر سرعان ما يصبح ماضيا، وهكذا تدور الدائرة.

فهل نتعلم يومًا أن نترك الذكريات حيث تنتمي، ونعيش؟ أم أننا سنظل سجناء الماضي، نرتدي قميصا من أشباح، ونرقص على أنغام ذكريات لم تعد تسمعنا؟