حوار: داليا منصور الفرجاني
في عالمٍ تتبعثر فيه الأصوات وتُخنق الأحلام، تولد أقلامٌ تُكتب لتُقاوم وردة بوعفار ليست مجرّد كاتبة، بل امرأة تسكن الحرف وتُقاوم بالصوت والدهشة والذاكرة. تكتب لا لتُبهر، بل لتنجو، لتبقى حيّة في وجه الصمت، في هذا الحوار، نُصغي لبوحها العميق، ونتلمّس مسارات الكتابة التي اختارتها لتُضيء عتمتها… عتمتنا.
1. كيف تُقدّمين نفسك للقراء؟ ومن هو الكاتب خلف السطور؟
بسم الله الرحمن الرحيم
أولا أشكركم كمجلة على هذه الاستضافة عبر هذا الحوار الأدبي
أنا وردة بوعفار، كاتبة لا تعتذر عن دهشتها، ولا تُخفي جُرحها لا أقدّم نفسي ببطاقة تعريف تقليدية، بل بصوت امرأة تحترف الحبر وتُقيم في الضباب، خلف سطوري أنثى تقاوم الانطفاء بالكتابة، تكتب لا لتُدهش، بل لتبقى حيّة.
2. هل تتذكرين أول نص كتبته؟ وما الذي يمثّله لك اليوم؟ وهل ما زلت تحتفظين به؟
أذكره جيدًا، كان جنين دهشةٍ ووجع مبكر، لا أحتفظ به على الورق، لكنه منقوش في داخلي كعلامة ميلاد إنها حادثة وقعت لأبي فزلزلت أركان أسرتي وأسميته العائلة السعيدة، ما زال يُعلّمني أن البدايات المرتبكة قد تكون أصدق من النهايات المحكمة.
3. من أين تستلهمين أفكارك؟ وهل تميلين إلى توظيف الواقع في كتاباتك، أم تفضلين نسج الخيال؟
أستوحي من رماد الذاكرة، من الظلال، من صرخةٍ في نشرة أخبار، ومن ابتسامة طفلٍ يلوّح للعدم، أمزج الواقع بالخيال كأنني أخيط جرحًا بنسيج حلم، لا أميّز بينهما، فكل خيالٍ هو واقعٌ مؤجل، وكل واقع هو خيالٌ متفسخ.
4. كيف تصفين علاقتك بالشخصيات التي تخلقينها؟ وهل تترك أثرًا نفسيًا فيك بعد الانتهاء من العمل؟
أعيش معهم حدّ التقمص، أُصاب بأمراضهم، أتنفس بقلقهم، وأبكي حين يغادرون النص وبعضهم لا يغادرني أبدًا… أظل أحمل وجوههم في داخلي كأشباح جميلة لا تُفارق.
5. هل تلتزمين بأوقات محددة للكتابة، أم أنك تكتبين فقط حين يطرق الإلهام بابك؟
أنا لا أكتب حين يزورني الإلهام، بل حين يؤلمني غيابه، لا وقت محدد لأن النزيف لا يُؤجَّل، والقصيدة لا تعرف مواعيد العمل.
6. حين تكتبين، هل تسعين أولًا لإرضاء ذاتك أم تفكّرين في القارئ؟ وأيهما أكثر أهمية؟
أكتب لأسكِت ضجيج داخلي أولًا، إن لم أُرضِ ذاتي فلن يصل النص صادقًا للقارئ، القارئ الذي أؤمن به هو من يشعر بي، لا من أُفصّل له القصيدة على مقاسه.
7. ما هي أصعب مرحلة تمرين بها أثناء كتابة عمل أدبي جديد؟ وكيف تتجاوزينها؟
الصمت بين فكرتين… تلك اللحظة العقيمة التي لا تُنجب جملة واحدة، أتجاوزها بالسير على حافة الانهيار، أو بالإنصات لحزنٍ قديم يعود في توقيتٍ غريب.
8. من بين جميع أعمالك، أيّها الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟ وكيف ترين تطوّر أسلوبك الأدبي منذُ إصدارك الأول حتى اليوم؟
الأقرب هو العمل الذي لم يُكتب بعد، لأنه يوجعني بصمته، تطورتُ من التوثيق الوجداني إلى التفكيك الرمزي، من البوح المباشر إلى العمق الفلسفي، صرت أُخفي أكثر مما أقول.
9. هل تحرصين على إيصال رسائل أو قضايا معينة من خلال كتاباتك؟ وما أبرز القيم التي تهتمين بها؟
أنا لا أكتب مواعظ، لكنني لا أتهرب من المعنى، أكتب عن الحريّة وعن المرأة التي لا تُشفى من قصائدها، عن العدالة في زمن الخراب، وعن الطفولة التي تُذبح كل يوم.
10. كيف تتعاملين مع النقد سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا؟ وهل سبق أن شعرتِ بالندم على نشر عمل ما؟
النقد النزيه مرآة، أما التجريح فهو غبار لا أسمح له بأن يُطفئ ناري، ولم أندم يومًا حتى حين نشرتُ وأنا أنزف، لأن كل عمل كتبته كان لحظة صدق مع نفسي.
11. برأيك، هل من الضروري أن يصبح الكاتب قارئًا نهمًا؟ وما الفرق بين الكاتب الموهوب والكاتب المثقف؟
الكاتب الذي لا يقرأ يُشبه شجرة بلا جذور والموهبة نار، والثقافة زيتها، المثقف يعرف كيف يقول “لا” والموهوب قد يُدهشك ثم ينطفئ أما المبدع الحقيقي، فيجمع بين الإثنين.
12. هل تمّ نشر لكِ عمل ورقي من قبل؟ وما هي الفكرة المحورية لهذا العمل؟
نشرت مشروعي الورقي الأول، تحت عنوان “تواشيح الورد، وهو سيرة ذاتية شعرية لامرأة تقيم في الغياب، وتحاور العالم من شرفةٍ لا تُطل على أحد.
العمل الثاني بعنوان نثريات روسيكادية وهو عمل أدبي نسوي أكثر شيء يفجر مشاعر وهموم المرأة في مدينتي والتي تسمى روسيكادا شمال شرق الجزائر.
13. ما الدور الذي يجب أن يلعبه الكاتب في مجتمعه؟ وهل ترى أن على الكاتب مسؤولية فكرية أو اجتماعية؟
الكاتب صوت الذين لا صوت لهم، وذاكرة من سُحقت أصواتهم، نعم عليه مسؤولية فكرية وأخلاقية، لا ليعظ، بل ليشهد، ليُحرّض على طرح الأسئلة، لا ليردّ بالإجابات الجاهزة.
14. هل ترى أن الجوائز الأدبية تُنصف الأعمال الجيدة؟ أم أن المعيار الأدبي بات خاضعًا لمعايير أخرى؟
للأسف، الكثير من الجوائز اليوم تخضع لمعايير السوق والمحاباة. لكن العمل الجيّد سيبقى، حتى إن لم يُصفق له أحد. الزمن هو المحكّ الأصدق.
15. ما تقييمك لعلاقة الكاتب بدور النشر حاليًا؟ وهل سبق أن واجهت صعوبات في النشر؟ وكيف تجاوزتها؟
العلاقة غالبًا غير متكافئة، خصوصًا للكتّاب الجدد واجهتُ صعوبات، وكنت أقاوم بعناد وأتجاوزها بالبحث وبالمراسلة وبالاستقلال، لن أنتظر مَن يطرق بابي، بل سأخلعه إن لزم الأمر.
16. ما رأيك في ظاهرة النشر الذاتي عبر الإنترنت؟ وهل تعتقدين أنها تؤثر إيجابًا أم سلبًا على جودة النص الأدبي؟
النشر الذاتي أعطى الحرية للمبدعين، لكنه لم يُفلتر الغثّ من السمين، هو سلاح ذو حدّين، والرهان الآن على وعي القارئ لا على الرقابة.
17. هل تعملين حاليًا على مشروع جديد؟ وإن أمكن، هل تبوحين لنا ببعض التفاصيل؟
نعم، أعمل على مشروع بعنوان “رسائل من امرأة لم تولد بعد”، وهي نصوص نثرية فلسفية تُكتب من امرأة غامضة تترك رسائلها في مقهى رماديّ لا يرتاده إلا الحزانى، كل رسالة تنطق بمرارة جيلٍ مكسور، ولغةٍ لا تُشفى.
18. ما هو حلمك ككاتبة؟ وهل هناك طموح لم يتحقق بعد؟
أن أترك أثرًا لا يُمحى وأن يقرأني أحدهم بعد موتي، فيشعر أنه لم يكن وحيدًا يومًا الحلم لم يكتمل، لأنني ما زلت أكتب لأصنعه.
19. وأخيرًا، ما الرسالة التي تودّين توجيهها لجمهورك ومحبي أدبك؟ وماذا تقولين للكتّاب الشباب الذين يحلمون بولوج هذا العالم؟
لكل من يقرأني: أنتم مرآتي الجميلة في هذا العالم المتشظي.
وللكتّاب الشباب: لا تكتبوا لتنالوا الإعجاب، بل لتنجوا قاوموا، حتى لو بالكلمة، فإن لم تُغيّروا العالم، غيّروا وجعكم على الأقل.
20. وفي ختام حوارنا، ما رأيك في مجلة إيڤرست الأدبية، من حيث رؤيتك لدورها الثقافي؟ وهل أعجبك الحوار؟
مجلة إيڤرست الأدبية تمثل نَفَسًا جديدًا في فضاء الأدب العربي، تفتح نوافذها للموهوبين لا للمتسلّقين. لها دور جميل في احتضان الحرف قبل اسمه
أما الحوار… فقد كان عميقًا، صادقًا، يحملني إلى ذاتي ويُذكّرني لِمَ أكتب، نعم أعجبني… وربما سأحتفظ به بين أوراقي كوثيقة وجدانية.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب