مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

القنبلة الصامتة: ماذا يحدث إذا تُرك هؤلاء؟

بقلم: يحيى القطب 

في المقال السابق، حين تحدثنا عن المظهر الحضاري للمدن، أشرنا إلى مشهدٍ لافت من فيلم الخيال العلمي الشهير رجل الدمار للنجم سيلڤستر ستالوني.
تظهر في الفيلم مدينةٌ مستقبلية شديدة النظام: شوارع نظيفة، قوانين صارمة، ونظام يبدو في ظاهره مثالًا للحضارة. لكن خلف هذا الهدوء المصطنع كان هناك عالمٌ آخر تحت الأرض، يعيش فيه الفقراء والمهمّشون الذين لم يجدوا مكانًا لهم في تلك المدينة المثالية.
لم يكن ذلك مجرد مشهدٍ سينمائي، بل إشارة إلى حقيقة اجتماعية عميقة:
المجتمعات التي تتجاهل مشكلاتها لا تختفي فيها الأزمات، بل تختبئ تحت السطح حتى تنفجر.
وهنا يبرز السؤال الخطير:
ماذا يحدث إذا تُركت ظاهرة التسوّل تتفاقم في المجتمع دون علاج حقيقي؟
قد يظن البعض أن التسوّل مجرد مشهدٍ مزعج في الطريق، أو ظاهرة اجتماعية محدودة التأثير.
لكن التجارب الاجتماعية تُظهر أن الظواهر التي تُترك بلا معالجة تتحول مع الزمن إلى ما يشبه القنبلة الصامتة؛ قنبلة لا يسمع صوتها في البداية، لكنها تتشكل ببطء في أعماق المجتمع.
أولًا: التسوّل بوابة الجريمة
عندما يقضي الإنسان سنواتٍ في الشارع دون تعليمٍ أو عملٍ أو رعاية اجتماعية، يصبح أقرب إلى اقتصادٍ غير مشروع منه إلى حياةٍ طبيعية.
لكن المسألة لا تقف عند حدود الانحراف أو فقدان الانتماء فحسب، بل تمتد أحيانًا إلى تكوّن مشاعر مريرة من الحقد الصامت تجاه المجتمع نفسه.
فالطفل الذي يقضي سنواته في الشارع لا يرى العالم كما يراه غيره.
إنه يقف عند إشارات المرور أو على الأرصفة، فيشاهد أطفالًا في مثل سنه يذهبون إلى مدارسهم بملابس نظيفة، يضحكون، ويمسكون بيد آبائهم أو أمهاتهم.
هذه المشاهد البسيطة التي تمرّ سريعًا في حياة الآخرين، قد تتحول في ذهن طفل الشارع إلى تجارب نفسية عميقة.
فهو لا يراها مجرد مشاهد عابرة، بل يقارن بينها وبين واقعه القاسي، فيبدأ في تكوين أسئلة صامتة:
لماذا يملكون هم ما لا أملك؟
ولماذا وُلدت أنا في هذا المكان؟
ومع مرور الزمن تتراكم في ذاكرته تجارب أخرى أكثر قسوة:
الإهانة، والطرد، والاحتقار، وأحيانًا القسوة التي يلقاها من بعض المارة.
هذه التجارب لا تختفي ببساطة، بل تترسب في اللاوعي، وتتحول تدريجيًا إلى تفسيرٍ عام للعالم من حوله.
فبدل أن يرى المجتمع كفضاءٍ مشترك، قد يبدأ في رؤيته ككيانٍ ظالمٍ أو معادٍ له.
وهنا تنشأ أخطر النتائج:
حين يكبر هذا الطفل وهو يحمل في داخله شعورًا دفينًا بأن المجتمع قد رفضه منذ البداية.
ثانيًا: العنف بوصفه وسيلة للبقاء
الحياة في الشارع ليست حياةً هادئة. إنها بيئةٌ قاسية تُحكمها المنافسة والصراع.
وحين يتزاحم عشرات المتسولين في مساحةٍ محدودة، تبدأ النزاعات على أماكن الوقوف، وعلى مناطق العمل، وعلى ما يجود به المارة. ومع الوقت يتحول هذا التنافس إلى عنفٍ متبادل، لأن الضعف في الشارع قد يعني الجوع.
وهكذا ينشأ جيلٌ يتعلم منذ صغره أن القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة.
ثالثًا: تشكّل العصابات
حين تتجمع أعداد كبيرة من المتسولين في المدن الكبرى، تظهر ظاهرة أخطر:
العصابات التي تنظّم التسوّل وتتحكم فيه.
فهناك من يستغل الأطفال والنساء وكبار السن، ويوزعهم على الشوارع والإشارات، ويجمع منهم المال آخر اليوم. ومع الوقت يتحول التسوّل إلى ما يشبه اقتصادًا خفيًا له قواعده وشبكاته.
وهنا لم تعد المشكلة مجرد فقر، بل أصبحت جريمة منظمة.
رابعًا: الانحراف الاجتماعي وفقدان الانتماء
الأخطر من كل ما سبق هو الأثر النفسي والاجتماعي الطويل المدى.
فالإنسان الذي يعيش سنواتٍ خارج المنظومة الطبيعية للمجتمع—لا مدرسة، ولا عمل، ولا استقرار—قد يفقد تدريجيًا شعوره بالانتماء إلى هذا المجتمع.
وحين يضعف الانتماء، يصبح الالتزام بالقانون ضعيفًا بدوره.
فلماذا يحترم الإنسان قوانين مجتمعٍ لم يشعر يومًا أنه جزءٌ منه؟
وهكذا يتحول بعض أبناء الشارع إلى أفرادٍ يعيشون على هامش المجتمع، لا يثقون فيه، ولا يشعرون نحوه بالمسؤولية.
الخلاصة
إن أخطر ما في ظاهرة التسوّل أنها تبدو للوهلة الأولى مشكلة صغيرة:
يدٌ ممدودة في الطريق، أو طفلٌ يقف عند إشارة المرور.
لكن هذه الصورة البسيطة قد تخفي وراءها مسارًا طويلًا من التحولات الخطيرة: من الفقر… إلى الجريمة، ومن الحاجة… إلى العنف، ومن الشارع… إلى العصابات، ومن التهميش… إلى فقدان الانتماء.
ولهذا فإن تجاهل الظاهرة لا يحلها، بل يجعلها تنمو في صمت… فالقنابل الاجتماعية لا تُسمع أصواتها حين تُصنع… بل حين تنفجر.