مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العابر في طريق العمر

Img 20250210 Wa0103

كتبت منال ربيعي 

 

جلس “سليم” على كرسيه الخشبي العتيق في شرفته المطلة على شوارع القاهرة الصاخبة، عيناه تائهتان في المدى، وكأنهما تبحثان عن طريق لم يعد له وجود. في الستين من عمره، يحمل على كتفيه أثقالًا من الأيام، كل خطوة خطاها كانت امتثالًا لواجب، لا لرغبة.

 

في شبابه، كان يحلم بالسفر لإكمال دراسته في الخارج، لكن والده رأى فيه عمود البيت، الركن الذي لا غنى عنه. “أنت رجل العائلة، لا وقت للأحلام الطائشة.” هكذا قال له والده يومها، فأذعن.

 

تزوج واستقر، ظن أن الزواج سيكون مرساه، لكنه لم يكن سوى محطة في طريق طويل. حين سنحت له الفرصة للسفر في رحلة عمل، لم يتردد، كان السفر منفذه الوحيد، لكن حتى هذا لم يدم.

 

كبرت بناته، انتقل مع أسرته إلى القاهرة من أجل تعليمهن. كرس حياته ليكون الأب الداعم، الرجل الذي يُضيء لهن الطريق، حتى إذا جاء اليوم الذي حلقن فيه بعيدًا إلى أمريكا، وجد نفسه وحيدًا.

 

الوحدة ليست مجرد فراغ، بل صدى لكل ما مضى. ظل يردد في نفسه: “أنا هنا، في هذا البيت، في هذا العمر، ولا شيء سوى الذكريات.”

 

لكن هناك ذكرى واحدة تظل ندية، عطرها لم يبهت رغم مرور السنين. كانت شريكة روحه، فكروا سويًا في أن يجمعهم بيت واحد بعد أن أصبح كلٌ منهما وحيدًا، لكنها خشيت من غضب أبنائها، فهم كانوا في خضم بناء حياتهم الخاصة، ولم ترد أن تعكر صفوهم.

 

وها هو الآن، لا يفكر في النساء، لا يفكر في الحب، لكن رائحتها ما زالت عالقة في أنفاسه، في مسام جلده، في ثنايا ذاكرته. يتنفسها كلما أغمض عينيه، كأنها لم ترحل أبدًا.

 

رفع رأسه إلى السماء وهمس:

“هل كنتَ سترضى عني يا أبي لو سلكت طريقي؟”

 

لكنه لم ينتظر الجواب، فقد أدركه منذ زمن بعيد.

لم تكن علاقتهما مجرد حب عابر، بل كانت نارًا دافئة احترقا بها معًا، حبًّا امتزجت فيه الروح بالجسد حتى صار كل منهما قطعة من الآخر.

 

حين تزوجا، لم يكن مجرد زواج تقليدي، بل كان انجذابًا متوهجًا، نداءً داخليًا لم يستطيعا مقاومته. كانت تفهمه بطريقة لا تحتاج إلى كلمات، وكانت لديه قدرة غريبة على إشعال رغبتها بلمسة، بنظرة، أو حتى بحضوره الصامت قربها.

 

في لياليهما، لم يكن الأمر مجرد لقاء جسدي، بل كان انصهارًا، كأنهما يهربان من كل ما في الخارج إلى عوالم لا تخص أحدًا سواهما. كانت تعرف كيف تأخذه إلى مكان بعيد، حيث لا شيء سوى دفء الجسد وصدق العاطفة، وكان يجد في عناقها ملاذًا من عمرٍ استنزفه وأعباء لم يخترها.

 

لكن النار التي أضاءت حياتهما، كانت أيضًا سبب احتراقهما. كانت العلاقة بينهما عاصفة، مليئة بالشغف، لكنها أيضًا كانت متطلبة، مستنزفة في بعض الأحيان. هو، الرجل الذي اعتاد أن يكون المسيطر في كل شيء، وجد نفسه ضعيفًا أمامها، مكشوفًا بطريقة لم يختبرها من قبل. وهي، المرأة التي اعتادت أن تخبئ مشاعرها خلف قناع القوة، وجدت نفسها أمامه ضعيفة، مستسلمة لحبه ورغبتها فيه.

 

حين جاء الانفصال، لم يكن بسبب فتور الحب، بل بسبب الحياة التي لم ترحم. لم يكن قادرًا على منحها كل ما تحتاجه، ولم تكن مستعدة لأن تعيش في الظل. وحين افترقا، لم يكن ذلك لأنه أراد الرحيل أو لأنها توقفت عن حبه، بل لأن الحب وحده لم يكن كافيًا لإبقائهما معًا.