بقلم: سارة عماد.
في زوايا القلوب، حيث تتراقص الأفكار والمشاعر، يظهر الكتمان كصديق محب، يحتضن أسرارنا ويمنحنا شعورًا مؤقتًا بالأمان، نختار الصمت حينما تكون الكلمات صعبة، وحينما نخشَى أن تجرح مشاعر الآخرين أو تكشف عما يدور في داخلنا، لكن هل يظل هذا الكتمان عونًا؟ أم يصبح عبئًا مع مرور الوقت؟
نبدأ أحيانًا في تكديس مشاعرنا وأفكارنا كما لو كنا نقوم بتخزين الأشياء في زاوية نائية من سياج حياتنا، يبدو الأمر هادئًا ومريحًا في البداية، نعتقد أننا نحمي أنفسنا، ولكن مع كل لحظة نختار فيها السكوت، تنمو تلك المشاعر، تصبح كالكائنات الحية التي تحتفظ بها في قفصٍ مظلم، تكبر وتكبر؛ حتى تصبح أشبه بطاقتنا السلبية التي تتسرب إلى حياتنا وتؤثر علينا بشكل غير مرئي.
الكتمان قد يكون حماية، لكنه أيضًا قد يكون قيدًا، في اللحظات التي نحتاج فيها حقًا للتنفيس عن مشاعرنا، نجد أنفسنا في مواجهة حائطٍ صد، نُذّكر بأننا اخترنا أن نُسجن في عالم المناجاة الداخلية، تتسلل الوحدة إلينا، ونبدأ بالتساؤل: هل نحن وحدنا في هذا؟
لماذا لا نستطيع البوح بما في قلوبنا؟
في تلك اللحظات، يصبح الكتمان مزدوج الأبعاد: مريح ومؤذي في آنٍ واحد، عندما نكشف عن أفكارنا ومشاعرنا، حتى ولو كان ذلك لشخص واحد فقط، نشعر بحرية فورية، كما لو أطلقنا سراح طائر محبوس، لكننا نخشى أن يأتي ذلك مع عواقب، قد نصطدم برفض أو عدم تفهم، أو ربما نشعر بالإحراج ونسحب أيدينا المتشبثة بالقيد من جديد، ومع ذلك تبقى هناك لحظة العبور، التي نعلم أنه يجب علينا الوصول إليها، لا يمكن أن ندع مشاعرنا تتراكم، كما لا ينبغي أن نعتبر الكتمان قميصًا واقيًا للأذى؛ فالتعبير عن ما نشعر به قد يكون التجربة الأكثر ثراءً، حتى في لحظات ضعفنا؛ فالحياة ليست فقط عن البقاء في منطقة الراحة؛ بل عن النضوج والشفاء من الجراح التي تحملها قلوبنا.
في النهاية، يبقى الكتمان مريحًا ولكنه مؤذي، هو كالعواصف الهادئة، تبدو لطيفة من بعيد، لكن داخلها تتشكل أعاصير؛ لنحاول أن نجد توازنًا بين الصمت والبوح، بين الكتمان والتعبير، ولنتذكر أن هدوء الروح يأتي من كلمات نقولها، وليس من أفكار نحبسها؛ فلنسعَ لخلق مساحة آمنة، لنكون قادرين على مشاركة آلامنا وأحلامنا، ولنعلم أن في الصراحة قوة لا يمكن هزيمتها.






المزيد
اليأس ملأ قلبي بقلم سها مراد
الهاوية بقلم خنساء الهادي مصطفى
أهلًا وسهلًا بكم في الموسم الثاني من برنامج “نصيحة اليوم”بقلم عبدالرحمن غريب