الأشياء التي خسرناها كي نستمر
الكاتب هانى الميهى
الفصل التاسع
الحياة التي لم نعشها
في بعض الليالي، لا نحزن على حياتنا…
بل نحزن على حياة أخرى.
حياة لم تحدث أصلًا.
نستيقظ أحيانًا وفي داخلنا سؤال غريب:
ماذا لو؟
ماذا لو اخترت طريقًا آخر؟
ماذا لو لم أتراجع في تلك اللحظة؟
ماذا لو قلت ما كنت أخاف قوله؟
ماذا لو غامرت؟
ماذا لو بقيت؟
وماذا لو رحلت؟
أسئلة لا تغير شيئًا…
لكنها تملك قدرة عجيبة على إعادة فتح أبواب أغلقناها منذ سنوات.
أعرف رجلًا ناجحًا بكل المقاييس.
لديه عمل مستقر، وبيت جميل، وأبناء يحبونه.
حين يراه الناس يقولون:
“لقد فاز بالحياة.”
لكنه في كل مرة يمر فيها أمام مسرح، يتوقف قليلًا.
ينظر إلى اللافتات.
إلى الأضواء.
إلى الممثلين وهم يدخلون.
ثم يبتسم ابتسامة صغيرة ويكمل طريقه.
لا أحد يعرف أنه كان يحلم أن يصبح ممثلًا.
كان يحفظ المشاهد من الأفلام، ويقف أمام المرآة يقلدها.
لكن الحياة قالت له:
ابحث عن عمل مضمون.
فأطاعها.
نجح…
لكنه ظل يشعر أن هناك رجلًا آخر يعيش بداخله.
رجل لم يُمنح فرصته أبدًا.
هناك فتاة درست الطب.
لم تكن تكرهه.
لكنها كانت تحب الرسم أكثر.
كانت ترى العالم بالألوان.
تجلس بالساعات ترسم الوجوه والشوارع والسماء.
ثم سمعت الجملة التي يسمعها كثيرون:
“الفن لا يطعم خبزًا.”
فوضعت فرشاتها جانبًا.
وقالت:
لاحقًا.
لكن كلمة “لاحقًا” كانت أسرع منها.
مرت السنوات.
وأصبحت طبيبة ناجحة.
ومع ذلك…
كلما دخلت مكتبة ورأت أدوات الرسم، تشعر بشيء يشبه الحنين.
ليس إلى الرسم فقط…
بل إلى فتاة قديمة كانت تؤمن بشيء مختلف.
الحياة ليست طريقًا واحدًا.
هذه هي المشكلة.
في كل مرة نختار شيئًا…
نخسر أشياء أخرى.
حين تختار مدينة…
هناك مدينة أخرى لن تعرفها.
حين تختار شخصًا…
هناك حياة كاملة لن تعشها مع غيره.
حين تختار عملًا…
هناك نسخة أخرى منك كانت ستولد في مكان آخر.
ولهذا لا يوجد إنسان عاش حياته كلها دون أن يتساءل:
كيف كنت سأصبح…
لو اخترت بطريقة مختلفة؟
أحيانًا أتخيل الأمر كغرفة كبيرة.
فيها آلاف الأبواب.
كل باب خلفه حياة كاملة.
أصدقاء مختلفون.
مدينة أخرى.
أحلام أخرى.
حب آخر.
وأنت…
دخلت بابًا واحدًا فقط.
ثم أُغلقت كل الأبواب الأخرى.
ليس لأنك أخطأت.
بل لأن الحياة لا تمنحنا كل شيء.
وهنا يبدأ الحزن الخفي.
ليس لأن حياتنا سيئة.
بل لأن خيالنا واسع.
نقارن ما نعيشه…
بما كان يمكن أن نعيشه.
وننسى شيئًا مهمًا جدًا.
أن الحياة التي نتخيلها…
لا تحمل مشاكلها.
نتخيل نجاحها فقط.
ولا نتخيل وحدتها.
نتخيل الحب فيها.
ولا نتخيل الفقد.
نتخيل البدايات.
ولا نتخيل ما كان يمكن أن تخسره في الطريق.
ربما لو اخترت الطريق الآخر…
لكنت الآن تتمنى طريقك الحالي.
وربما لو عشت الحياة التي تحلم بها…
لاكتشفت أن بها جروحًا أخرى.
فكل حياة لها ثمن.
حتى الحياة التي لم نعشها.
المشكلة ليست أن نتساءل.
فهذا جزء من إنسانيتنا.
المشكلة أن نقضي عمرنا ننظر إلى أبواب أغلقت…
وننسى الباب الذي نقف داخله الآن.
ننسى أن حياتنا الحقيقية ليست تلك التي نتخيلها.
بل تلك التي نستيقظ كل صباح لنعيشها.
بأخطائها.
وبنواقصها.
وبكل ما فيها من فوضى وجمال.
لست نادمًا على كل اختياراتي.
لكنني أعترف بشيء.
أحيانًا أشتاق إلى أشخاص لم أعرفهم.
وإلى أماكن لم أزرها.
وإلى نسخة مني…
لم تولد أبدًا.
ثم أبتسم.
وأفكر…
ربما هي أيضًا تشتاق إليّ.
فالإنسان لا يعيش حياة واحدة فقط.
هو يعيش حياة كاملة…
وعشرات الحيوات الأخرى داخل خياله.
لكن الحكمة ليست أن نطارد ما لم يحدث…
بل أن نحب ما حدث فعلًا.
لأن أسوأ أنواع الخسارة…
أن تضيع حياتك الوحيدة…
وأنت تتحسر على حياة لم تكن لك من البداية.






المزيد
الشمس والجليد بقلم إسراء حسن عبدالله
رسالة إلى طبيبي بقلم علياء حسن العشري
رماد الإنتقام الكاتبة إسراء حسن عبدالله