مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في عالمٍ تتسارع فيه التحديات وتتغير فيه المفاهيم، تبرز التجارب الإنسانية بوصفها المصدر الأعمق للحكمة وصناعة الوعي. ومن هذا المنطلق، تستضيف مجلة إيفرست الأدبية الأستاذ زياد الشيحي، مؤسس مؤسسة أدب عتيق، التي انطلقت في 23 يناير 2026، والمتخصصة في نشر كتب الخواطر والروايات والقصص الأدبية والأعمال الفردية.


المحررة/ ليمار وليد

 


◼ في بداية رحلتك، هل كانت أكبر التحديات التي واجهتك نابعة من الظروف المحيطة بك أم من نفسك؟ وكيف استطعت التعامل معها؟

● في البداية كانت الظروف التي فرضتها البيئة المحيطة تؤثر فيّ بصورة كبيرة، ثم تطور الأمر حتى أصبحت بعض التحديات تنبع من داخلي. وقد تبنيت مبدأً أؤمن به، وهو: «لا تُعدّل معيشتك، بل عدّل نفسك لتواكب معيشتك.» حاولت كثيرًا، وما زلت أحاول حتى اليوم، لأن المسؤوليات تزداد كلما تقدم الإنسان في طريقه، فكلما اشتد عودك اشتدت الحياة، وهذه علاقة طردية لا مفر منها.

◼ ترى أن المسؤولية والفضول عنصران أساسيان في رحلة النجاح، فكيف تنظر إلى دور كل منهما في تطوير الإنسان؟

● لا أرى أن المسؤولية مجرد وسيلة لتطوير الذات، بل أجد فيها فرصة لاكتشاف قدراتي في مواجهة المشكلات التي يعاني منها كثير من الناس. كما أن الفضول بالنسبة لي ليس مجرد رغبة في المعرفة، بل دافع للبحث والاستكشاف وفق تخطيط ودراسة.

وألخص فلسفتي في ثلاث عبارات:

الشغف يحرك الهواة.

المسؤولية تحرك المحترفين.

الفضول يحرك العباقرة.

◼ لكن هل يمكن أن يقود الفضول الإنسان أحيانًا إلى نقطة الصفر؟

● نعم، قد يحدث ذلك، لكن الفضول الذي أقصده يختلف عن المغامرة غير المحسوبة. فهو يسبقه دائمًا تخطيط، ودراسة، وترتيب للاحتمالات. أما خوض التجارب دون معرفة فهو أقرب إلى عقلية المقامر. وفي عصر السرعة والابتكار أصبح خوض المخاطر المحسوبة ضرورة، لأن البقاء للأذكى، لمن يستطيع قراءة المتغيرات واتخاذ القرار بأقل قدر ممكن من الخسائر.

وبالطبع لا يمكن تحقيق النجاح دون خسائر، فلو لم توجد الخسارة لما كان للربح معنى.

◼ إذا لم تحقق هدفًا معينًا، فكيف تنظر إلى التجربة؟ وهل ترى أن قيمتها فيما تعلمته منها؟

● بالتأكيد. ما يبقى مع الإنسان ليس النتيجة فقط، بل ما اكتسبه من التجربة نفسها. وأرى أن التجارب المؤلمة هي الأكثر قيمة، لأنها تحمل دروسًا لا يمكن لأي دورة تدريبية أن تقدمها.

فالمتخصص قد يشرح لك المشكلة من وجهة نظره، أما الحياة فتمنحك الفرصة لتكتشف وجهة نظرك بنفسك، ولهذا أؤمن أن مدرسة الحياة هي المعلم الأكبر.

◼ ذكرت أن الحياة أحيانًا تدفعنا إلى اتباع اللامنطق، فكيف تفسر ذلك؟

● نحن نعيش في عالم لا تحكمه المعادلات المنطقية دائمًا. فلو كان الأمر كذلك، لكان الأكثر اجتهادًا هو الأكثر نجاحًا والأعلى دخلًا، وهذا لا يحدث في كل الأحوال.

لذلك أرى أن التفكير خارج الإطار التقليدي أصبح ضرورة، وألا نجعل المنطق المعتاد يقيدنا أثناء السعي لتحقيق أهدافنا.

◼ كيف تتعامل مع أخطائك الناتجة عن التجارب؟

● أتمسك بأخطائي ولا أهرب منها. أدرسها بعناية، وأدونها أمامي باستمرار، لأن احتمال تكرارها وارد. وكل خطأ بالنسبة لي هو درس ينبغي الاحتفاظ به، لا محاولة نسيانه.

◼ لو طُلب منك أن تلخص تجربتك في الحياة بكلمات قليلة، فماذا تقول؟

● خضت تجارب كثيرة وفي مجالات متعددة، ومن الصعب اختصارها في كلمات. فكل تجربة لها ظروفها ودروسها الخاصة. وأؤمن أن خبرة السنوات لا يمكن تلخيصها بسهولة، وأن الإنسان لولا خوفه من ضيق الخيارات لما غادر منطقة الراحة وسعى إلى اكتشاف قدراته الحقيقية.

◼ وفي ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى القراء؟

● أتمنى أن يكون هذا الحوار قد حمل لكم فائدة، حتى وإن بدت بعض الأفكار معقدة. لكنني أؤمن أن مدرسة الحياة ستظل أبلغ من أي حديث، فهي وحدها القادرة على أن تمنح الإنسان الدروس التي لا تُنسى.

 

في هذا اللقاء، لم يكن الحديث عن النجاح بوصفه محطة نهائية، بل عن الرحلة نفسها بما تحمله من مسؤوليات وتجارب وأخطاء ودروس. وقد قدّم الأستاذ زياد الشيحي رؤية تقوم على أن التعلم الحقيقي لا يأتي من الكتب وحدها، بل من الاحتكاك بالحياة ومواجهة تحدياتها بعقل منفتح وإرادة لا تتوقف عن المحاولة.

وفي ختام هذا الحوار، تتوجه مجلة إيفرست الأدبية بخالص الشكر للأستاذ زياد الشيحي على هذا اللقاء الثري، متمنين له دوام النجاح والتوفيق في مسيرته الفكرية والأدبية.