مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يقدّم الكاتب عبدالرحمن الجهيني تجربة أدبية تسعى إلى تجاوز المألوف والاقتراب من المناطق الأكثر عمقًا وتعقيدًا في التجربة الإنسانية. في هذا الحوار الخاص مع مجلة إيفرست الأدبية، نقترب من عالمه الإبداعي، ونتعرف إلى فلسفته في الكتابة ورؤيته للأدب والإنسان.

تحرير: ليمار وليد

 

حوار خاص مع الكاتب عبدالرحمن الجهيني

تظل الرواية واحدة من أكثر الفنون قدرةً على طرح الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان؛ فهي لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تفتح أبوابًا للتأمل في النفس البشرية والعلاقات الإنسانية والمجهول الذي يحيط بنا. وبين الحب الذي يتجاوز الحدود التقليدية والعوالم الغيبية التي تستفز فضول الإنسان وخوفه في آنٍ واحد

 

◼ بين روايتي “أحببت نصرانية” و”كالأثيل” نرى عالمين مختلفين تمامًا، ما الذي يجذبك إلى القضايا الحساسة أو غير المألوفة في الكتابة؟

العالم المألوف مستهلك، والجميع يراه ويكتبه. ما يجذبني إلى القضايا الحساسة أو الفانتازيا الغيبية هو الرغبة في اختبار المشاعر الإنسانية تحت ضغط استثنائي. فعندما تضع الإنسان في مواجهة اختلاف عقائدي حاد كما في “أحببت نصرانية”، أو في مواجهة عوالم مجهولة ومرعبة كما في “كالأثيل”، تسقط الأقنعة وتظهر الحقيقة العارية للنفس البشرية. الأدب بالنسبة لي مغامرة في أرض غير مكتشفة، وليس نزهة في حديقة عامة.

◼ هل تعتبر الرواية وسيلة لطرح الأسئلة التي يصعب مناقشتها في الواقع أم محاولة للبحث عن إجابات؟

الرواية هي “مختبر الأسئلة الصعبة”. الكاتب الذي يظن أنه يمتلك الإجابات ويقدمها في روايته يتحول إلى واعظ، والوعظ يقتل الفن. أنا أكتب لأطرح السؤال بشكل أعمق، يجعل القارئ يعيشه ويتأمل فيه، أما الإجابات فأتركها لكل قارئ وفقًا لتجربته ورؤيته الخاصة.

◼ عند تناول موضوعات مثل الحب والمعتقدات والعوالم الغيبية، كيف توازن بين حرية الخيال ومسؤولية الكاتب تجاه القارئ؟

حريتي ككاتب في الخيال واسعة، لكن مسؤوليتي تكمن في الأمانة الإنسانية. لا أهدف إلى تزييف الحقائق أو اللعب بالثوابت لمجرد الإثارة، بل أستخدم الخيال كمرآة مكبرة لواقعنا. المسؤولية هنا ليست قيدًا على الإبداع، بل احترام لعقل القارئ وتقديم مضمون فكري يوازي المتعة التي يعيشها داخل النص.

◼ هل ترى أن وظيفة الرواية هي إمتاع القارئ أم دفعه إلى إعادة التفكير في قناعاته؟

أرى أن الرواية الحقيقية تحقق الأمرين معًا. المتعة هي الجسد الذي يحمل العمل الأدبي، أما الفكرة فهي روحه. لا أريد للقارئ أن يخرج مستمتعًا فقط، بل أن يغلق الكتاب وهو يشعر بشيء من القلق المعرفي، أو ينظر إلى الحياة من زاوية مختلفة عما كان يراه من قبل.

◼ ما الفكرة أو الأثر الذي تتمنى أن يبقى مع القارئ بعد الانتهاء من قراءة أعمالك؟

أتمنى أن يدرك القارئ أن الإنسان كائن معقد للغاية، وأن خلف كل موقف أو معتقد حكاية تستحق أن تُفهم قبل أن تُحكم. وإذا خرج القارئ بقدر أكبر من التعاطف مع الآخرين، فسأعتبر أنني حققت جزءًا مهمًا من هدفي ككاتب.

◼ إلى أي مدى تعكس شخصياتك شيئًا منك، حتى تلك الشخصيات التي تختلف معك فكريًا أو أخلاقيًا؟

كل شخصية أكتبها تحمل جزءًا من الحمض النووي الفكري أو النفسي الخاص بي، حتى الشخصيات التي تختلف معي أخلاقيًا أو فكريًا. ولكي أكتب شخصية مقنعة، لا بد أن أبحث داخل نفسي عن الاحتمالات التي قد تجعلني أفكر أو أشعر مثلها في ظروف مختلفة. الكاتب يوزع شظايا روحه على جميع شخصياته.

◼ في رواية “أحببت نصرانية”، هل كان هدفك الدفاع عن فكرة معينة أم فهم التعقيد الإنساني في مثل هذه العلاقات؟

لم يكن هدفي الدفاع عن أيديولوجيا أو مهاجمة أخرى، بل فهم التعقيد الإنساني الكامن في مثل هذه المواقف. الحب هنا ليس مجرد مشاعر، بل صراع بين العاطفة والقناعات والضغوط الاجتماعية والدينية. أردت أن أقدم هذا الصراع كما هو، بكل ما يحمله من ألم وتساؤلات.

◼ لماذا ينجذب الإنسان بطبيعته إلى قصص المجهول والعوالم الغيبية؟

لأن الإنسان يجمع بين الخوف والفضول في آنٍ واحد. نحن نخشى ما لا نفهمه، لكننا في الوقت نفسه لا نتوقف عن محاولة اكتشافه. لذلك تظل العوالم الغيبية مساحة خصبة للأدب، تمنحنا فرصة لمواجهة مخاوفنا والتأمل في حدود وجودنا.

◼ هل يختار الكاتب موضوعاته أم أن بعض الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه؟

في كثير من الأحيان أشعر أن الموضوعات هي التي تختار الكاتب. هناك أفكار تظل تطارده في يقظته ومنامه، ولا تتركه حتى يمنحها حياة على الورق. الكاتب في هذه الحالة يكون أشبه بمن يلتقط هذه الإشارات ويحاول ترجمتها إلى نص أدبي.

◼ ما القضية التي تشعر أن الأدب العربي ما زال يتجنب الاقتراب منها رغم أهميتها؟

أعتقد أننا ما زلنا متحفظين في تناول كثير من الجوانب النفسية والاجتماعية العميقة، خاصة ما يتعلق بالمناطق الرمادية في السلوك البشري. نحتاج إلى أدب أكثر جرأة في فهم الإنسان كما هو، لا كما نرغب أن يبدو.

◼ إذا قرأ شخص جميع أعمالك، فما الصورة التي تتمنى أن تتشكل لديه عنك ككاتب؟

أتمنى أن يراني كاتبًا صادقًا لا يخشى الغوص في العمق، ويحترم عقل قارئه. لا يهمني أن أصنف تحت نوع أدبي معين بقدر ما يهمني أن يُنظر إليّ باعتباري كاتبًا يبحث عن الحقيقة الإنسانية أينما كانت.

◼ هل تخشى إساءة فهم رسائل أعمالك أم أن تعدد التأويلات جزء من جمال الأدب؟

في البداية كان الأمر يقلقني، لكنني أدركت مع الوقت أن تعدد التأويلات دليل على حياة النص. فبمجرد نشر الرواية، تصبح ملكًا للقارئ بقدر ما هي ملك لكاتبها، وكل قارئ يراها من خلال خبراته وتجربته الخاصة.

◼ لو خرج القارئ بسؤال واحد فقط بعد قراءة أعمالك، فما السؤال الذي تتمنى أن يبقى عالقًا في ذهنه؟

“ماذا لو كنتُ أنا مكانهم؟”

أرى أن هذا السؤال هو جوهر التعاطف الإنساني الذي يسعى الأدب إلى ترسيخه داخلنا.

◼ ما الرسالة التي تود توجيهها إلى القراء والمهتمين بالأدب؟

لا تقرؤوا لتأكيد ما تعرفونه مسبقًا، بل اقرأوا لتكتشفوا ما تجهلونه عن أنفسكم وعن العالم. اجعلوا القراءة رحلة مستمرة للتأمل والتساؤل، وابحثوا دائمًا عن الأدب الذي يحترم عقولكم ويضيف إلى وعيكم شيئًا جديدًا.

الخاتمة

في هذا الحوار، اقتربنا من رؤية الكاتب عبدالرحمن الجهيني للأدب بوصفه مساحة للتساؤل والتأمل وإعادة اكتشاف الإنسان. ومن خلال حديثه عن الحب والمعتقدات والعوالم الغيبية، تتجلى فلسفة أدبية تؤمن بأن الرواية ليست وسيلة لتقديم الإجابات الجاهزة، بل دعوة مفتوحة إلى التفكير وفهم الذات والآخر.

ختامًا، تتوجه مجلة إيفرست الأدبية بخالص الشكر إلى الكاتب عبدالرحمن الجهيني على هذا الحوار الثري، وتتمنى له مزيدًا من النجاح والتألق في مسيرته الأدبية، وللقراء رحلة ممتعة مع الأدب بوصفه نافذة لفهم الحياة والإنسان.