مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في عالمٍ تتقاطع فيه الواقعية الشعبية مع الخوف النفسي، وتتحول التفاصيل المألوفة إلى أبوابٍ تقود نحو المجهول، تستضيف مجلة إيفرست الأدبية الكاتب المصري أحمد إسماعيل، أحد الأصوات الجديدة في أدب الرعب العربي والفانتازيا المظلمة.

تحرير/ ليمار وليد

 

بدأ أحمد إسماعيل مسيرته بكتابة القصص القصيرة، قبل أن يلفت الأنظار بروايته الأولى «قرية الرماد»، التي رسخت حضوره في هذا اللون الأدبي، إلى جانب كتابيه في الخواطر «غيمات عابرة» و«سراديب الروح». ويتميّز بأسلوبه السلس، وبنائه المتماسك، ونهاياته غير المتوقعة، مع حرصه على المزج بين الواقعية الشعبية والخوف النفسي في أعماله.

في هذا الحوار، نقترب من رؤيته للكتابة، ورسالة الرواية، وأبرز التحديات التي تواجه الكاتب، كما نتعرف إلى نظرته للمشهد الأدبي العربي وما يؤمن بأنه يحتاج إليه ليمنح مساحة أوسع للأفكار المختلفة والإبداع الحقيقي.

 

◼ هل ترى أن الكتابة موهبة أم مسؤولية؟

● بالنسبة لي، كانت الكتابة في بدايتها موهبة. كنت أشعر أن الكلمات تنساب مني تلقائيًا، وأستطيع التعبير عما بداخلي بطريقة يفهمها الناس ويتأثرون بها. لكن مع مرور الوقت اكتشفت أنها مسؤولية كبيرة، لأن كل سطر قد يترك أثرًا في شخص ما؛ قد يطمئنه، أو يربكه، أو يغير نظرته إلى شيء معين. لذلك أصبحت أفكر كثيرًا قبل أن أكتب. أؤمن أن الموهبة هي التي فتحت لي الباب، أما المسؤولية فهي التي تجعلني أحافظ على قيمة ما أقدمه.

 

◼ إذا كانت الرواية تحمل رسالة، فهل تقتصر هذه الرسالة على الأعمال الواقعية، أم تستطيع الروايات الخيالية أيضًا إيصالها؟

● الرسالة لا ترتبط بنوع الرواية، بل بطريقة تقديمها. فالرواية الواقعية تضع القارئ أمام حياته اليومية فيشعر أن الكاتب يتحدث عنه، بينما تمنح الرواية الخيالية مساحة أوسع لتلقي الفكرة دون شعور بالمباشرة أو الوعظ. قد يقرأ القارئ عن عالم خيالي أو مخلوقات أسطورية، لكنه يخرج وقد أدرك معنى الخوف أو السلطة أو الطمع. لذلك أرى أن الواقعية مرآة، أما الخيال فهو نافذة، وكلاهما قادر على إيصال الرسالة بطريقته الخاصة.

 

◼ ما التحدي الأكبر الذي تواجهه أثناء الكتابة: إيصال الرسالة أم ترك القارئ يستنتجها بنفسه؟

● التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين الأمرين. فإذا صرحت بالرسالة أصبحت الرواية مباشرة وثقيلة، وإذا تركتها مفتوحة تمامًا فقد يبتعد القارئ عن المقصود. لذلك أحرص على أن تتحدث الشخصيات والأحداث بدلًا مني، وأن يصل القارئ إلى الفكرة بنفسه. كما أستعين بقراءة العمل من قبل أكثر من شخص قبل نشره، حتى أتأكد من أن الرسالة تصل كما أردتها.

 

◼ هل يكتب الكاتب اليوم ما يشعر به حقًا، أم ما يضمن له الانتشار والمبيعات؟

● أعتقد أن هذه واحدة من أصعب المعارك التي يخوضها الكاتب مع نفسه. فهناك رغبة صادقة في كتابة ما يؤمن به، لأن الصدق هو ما يمنح النص حياته، وفي المقابل هناك واقع يفرض التفكير في القارئ والسوق والاستمرار. لذلك أحاول دائمًا تحقيق التوازن؛ أكتب الفكرة التي أؤمن بها، لكن أقدمها بأسلوب يجذب القارئ. فالكتابة من أجل المال وحده تفقد النص روحه، والكتابة للنفس فقط قد تمنعه من الوصول إلى الآخرين.

 

◼ ما القضية التي ترى أن الأدب العربي المعاصر لا يمنحها الاهتمام الكافي رغم أهميتها؟

● أرى أن الإنسان العادي لا يحظى بالمساحة التي يستحقها. فكثير من الأعمال تركز على الشخصيات الاستثنائية أو المآسي الكبرى، بينما تغفل حياة الإنسان البسيط الذي يحاول فقط أن يعيش يومه بكرامة. أؤمن أن بطولة الحياة اليومية تستحق أن تُكتب، وأن مجرد استمرار الإنسان رغم الضغوط قد يكون بطولة حقيقية تستحق الاحتفاء.

 

◼ يرى كثيرون أن الروايات الأكثر انتشارًا اليوم هي تلك التي تمنح القارئ فرصة للهروب من الواقع، فما رأيك؟

● أتفق مع ذلك إلى حد كبير، لأن القارئ يعيش ضغوطًا كثيرة ويبحث عن مساحة يتنفس فيها بعيدًا عن واقعه. لكنه، في الوقت نفسه، يحتاج إلى أن يجد شيئًا يشبهه داخل هذا العالم الخيالي. لذلك أؤمن بأن الرواية الناجحة تمنح القارئ فرصة للهروب، لكنها لا تنفصل عن مشاعره وأسئلته الحقيقية.

 

◼ لو أُتيحت لك فرصة تغيير أمر واحد في المشهد الأدبي العربي، فما الذي ستغيره؟

● سأغير فكرة أن النجاح لا يتحقق إلا بتكرار الأنماط الرائجة. أرى أن هذا التصور جعل كثيرًا من الأعمال متشابهة، وأصبح الكاتب الذي يحمل فكرة جديدة يتردد في تقديمها خوفًا من عدم قبولها. أتمنى أن يتسع المشهد الأدبي لجميع الأصوات، وأن يجد كل كاتب مساحة للتجريب وتقديم رؤيته الخاصة، لأن الأدب الحقيقي لا يعيش بالتكرار، بل بالاختلاف والتنوع.

 

في هذا الحوار، كشف الكاتب أحمد إسماعيل عن رؤية تؤمن بأن الأدب لا يقتصر على صناعة الحكايات، بل يمتد ليصبح وسيلة لفهم الإنسان وإثارة الأسئلة التي ترافقه في رحلته مع الحياة. وبين الواقعية والخيال، والخوف والتأمل، يواصل تقديم تجربة أدبية تبحث عن أثرٍ يبقى في ذهن القارئ بعد طي الصفحة الأخيرة.

وتتقدم مجلة إيفرست الأدبية بخالص الشكر للكاتب أحمد إسماعيل على هذا الحوار الثري، متمنيةً له مزيدًا من النجاح والتألق في مسيرته الأدبية، وللقراء رحلة ممتعة مع أعمال تحمل المتعة والفكرة في آنٍ واحد.