مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كنت تلك الفتاة الصغيرة الحالمة بقلم الكاتب هانى الميهى

كنت تلك الفتاة الصغيرة الحالمة
الكاتب هانى الميهى
من كتاب
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة

الفصل الثالث
السر
لا يولد الإنسان وهو يحلم بالكثير، بل يولد وهو يظن أن الحياة ستبادله قلبه الطيب بقلب يشبهه.


لم يكن الحلم يومًا كبيرًا كما يظن الناس. لم تكن تتخيل قصورًا شاهقة، ولا حياة يصفق لها الجميع، ولا اسمًا يلمع فى السماء. كانت أحلامها أصغر من ذلك بكثير، لكنها كانت أصدق. كانت تحلم ببيت إذا أغلقت بابه شعرت بالأمان، وبمائدة يجتمع حولها من يحبون الله أكثر مما يحبون الدنيا، وبأيام تمضى هادئة لا يخشى فيها القلب أن يستيقظ على خبر يهدم ما بناه بالأمس.

كانت تؤمن أن الخير إذا خرج من القلب عاد إليه يومًا، وأن الكلمة الطيبة لا تضيع، وأن الصدق يفتح الأبواب التى تعجز القوة عن فتحها. كانت ترى العالم بعين لم تتعلم الشك بعد، لذلك كانت تمنح ثقتها بسهولة، وتمنح حبها دون حساب، وتظن أن الآخرين يحملون فى صدورهم النقاء نفسه الذى تحمله.

تلك هى براءة البدايات.

فالإنسان فى أول الطريق لا يعرف أن الحياة لا تختبر أحلامه، بل تختبر قدرته على الاحتفاظ بها عندما تتغير الوجوه، وتتبدل المواقف، وتنكشف الحقائق التى لم يكن يتخيل وجودها.

كبرت الأيام، ولم تكبر الأحلام وحدها، بل كبرت معها الأسئلة. لماذا لا يشبه الواقع ما كنا نرسمه فى خيالنا؟ ولماذا نتعلم منذ الصغر أن الصدق نجاة، ثم نرى الكذب يسبق الصادق أحيانًا؟ ولماذا يبدو الطريق المستقيم أطول من الطرق الملتوية؟

لم تكن المشكلة أن الحياة لم تحقق أحلامها، بل أنها قدمت لها حياة لم تستعد لها. اكتشفت أن بعض البشر يستطيعون أن يعتادوا الحرام حتى يبدو لهم عاديًا، وأن الضمير قد ينام طويلًا إذا اعتاد صاحبه إسكات صوته، وأن الإنسان قد يخسر نفسه وهو يظن أنه يربح الدنيا.

وفى كل مرة كانت تصطدم فيها بحقيقة جديدة، كانت تتذكر تلك الفتاة الصغيرة التى كانت تسكنها. لم تكن تشتاق إلى عمرها، بل إلى طريقتها فى النظر إلى الحياة. كانت تتمنى لو استطاعت أن تحمى ذلك القلب من كل ما عرفه لاحقًا، لكنه لا أحد يعود إلى الوراء ليحمى نفسه من المستقبل.

ومع ذلك، لم تمت تلك الفتاة.

اختبأت فقط.

كانت تظهر كلما رفعت يديها بالدعاء، وكلما بكت دون أن يراها أحد، وكلما اختارت الحلال رغم مشقته، وكلما غلبها الحنين إلى حياة لم تعشها قط، لكنها ظلت تؤمن أنها ممكنة.

ربما يظن الناس أن الطفولة تنتهى عندما يكبر الجسد، لكن الحقيقة أن الطفولة تنتهى فى اللحظة التى يكتشف فيها الإنسان أن العالم لا يسير دائمًا كما تعلم فى قلبه. هناك يولد النضج، لا لأنه أصبح أقوى، بل لأنه اضطر أن يحمل ما لم يكن يتخيل أنه سيحمله.

ومع ذلك، يبقى أجمل ما فى الإنسان أنه يستطيع أن يحتفظ بجزء صغير من تلك الفتاة الحالمة، أو ذلك الطفل الذى كان يؤمن أن الخير لا يموت. ولولا هذا الجزء، لتحول القلب إلى حجر، ولما استطاع أن يكمل الطريق.

ولهذا، لم تكن المشكلة أنها كانت حالمة…

بل أن أحلامها كانت أنقى من العالم الذى استقبلها.


رسالة الفصل

الأحلام البريئة لا تموت عندما تصطدم بالواقع، لكنها تتعلم أن تنمو وسط الأشواك دون أن تفقد عطرها.

تمهيد الفصل الرابع

ومع أول محاولة لصناعة حياة تشبه تلك الأحلام، بدأت الرحلة الحقيقية…

“زرعت فى موطنى بذور الأمل…”