مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من ينشر السم بلسان معسول ويقتل بغيرته القاتلة

قراءة نفسية في شخصية “المؤذي المقنّع”

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

المقدمة

ليس السمُّ دائماً ما يأتي في زجاجةٍ سوداء… أحياناً يأتي في كوبٍ من العسل.

يأتيك على هيئةِ نصيحةٍ دافئة، وعلى هيئةِ ابتسامةٍ حنونة، وعلى هيئةِ عبارةٍ سمعتَها كثيراً: “إنّي أخشى عليك”.

إنه صاحبُ اللسانِ المعسولِ، والابتسامةِ الزائفةِ، والأقنعةِ المتعددةِ… فلا أحدَ يستطيعُ اكتشافَه بمهارة، بالرغمِ من أنهُ قاتلٌ للروح والهمة.

فهناكَ قلوبٌ مريضة لا تحتملُ أن تراكَ تعلو، ولا تطيقُ أن تراكَ تنجح وتبدع. وفي هذا المقالِ سوفَ نكشفُ الستارَ عن أخطرِ أنواعِ المؤذيين: ذلكَ الذي يقتلكَ بغيرتِهِ المكتومة، ويطعنُكَ في ظهرِكَ وهوَ يصافحُكَ بيدِه.

أولاً: من هو “ناشر السم بلسان معسول”؟

في علم النفس الاجتماعي يُطلق على هذا النمط السلوكي المعقد اسم “العدوان السلبي المقنّع (\bm{Passive-Aggressive})” أو “الشخصية النرجسية الخفية (\bm{Covert\ Narcissism})”.

هو فردٌ يتجرد من الشجاعة الأدبية للمواجهة المباشرة، فيلجأ إلى أساليب خفية وغير مباشرة لإيذاء الآخرين وتحبيطهم مع الحفاظ الماكر على صورته النقية أمام المجتمع.

ومن أبرز سماته التشخيصية:

 ازدواجية المعايير: يمدحك بإفراط في حضرتك، ويذمك ويشكك في أهليتك في غيابك.

 الغيرة المقنعة بالنصح: لا يقول صراحة “أنا أغار من إنجازك”- بل يقول بتمثيلية خوف: “إن هذا النجاح السريع سيرهق صحتك، وإنما أنصحك لوجه الله”.

 التقليل المبطن (\bm{Micro-aggressions}): “ما شاء الله! كيف استطعتَ فعل ذلك؟ لقد ظننتُ الأمر يتطلب قدرات أعلى بكثير”.

 تقمص دور الضحية: يرى نفسه مظلوماً ومستهدفاً على الدوام، ويُرجع أسباب فشله الذاتي إلى نجاح الآخرين وطغيانهم.

ثانياً: الجذور النفسية للغيرة القاتلة

الغيرة في أصلها الانفعالي دافعٌ إنساني طبيعي، لكنها تتحول إلى “غيرة قاتلة ومدمّرة” عندما تقترن بثلاثة عوامل نفسية متجذرة:

1. تدني تقدير الذات الشديد: لا يرى الشخص المؤذي قيمة حقيقية لنفسه إلا إذا انتقص من قيمة ومكانة غيره. إن نجاحك المشرق يذكره ضمناً بإخفاقه، وتميزك يكشف عن نقصه؛ فيهتف عقله الباطن بحسد: “إن لم أستطع الارتقاء لمستواه، فسأسعى بكل حيلة لإسقاطه”.

2. المقارنة الاجتماعية المرضية: وفقاً لنظرية “ليون فستنغر (\bm{Leon\ Festinger})” في المقارنة الاجتماعية، يقيس الإنسان ذاته بالآخرين. السوي يتأمل ويقارن ليتعلم ويتطور، أما المؤذي فيقارن ليحقد ويتآمر؛ فهو لا يراك إنساناً مستقلاً، بل مرآة قاسية تعكس عيوبه وقصوره.

3. النرجسية الهشة: لا يتصف بنرجسية العظمة الظاهرة، بل بنرجسية هشّة تخشى النقد والانكشاف؛ لذلك يبادر بالتسفيه الهادئ قبل أن يُكشف قصوره.

ثالثاً: آليات “بث السم باللسان المعسول”

لماذا يختار اللسان المعسول والأسلوب الملتوي؟ لأن المواجهة الصريحة المباشرة لها كلفة عالية لا يستطيع دفعها. فيلجأ إلى ثلاث آليات دفاعية:

1. الإسقاط النفسي (\bm{Projection}): ينسب إلى غيره ما يفعله هو في الخفاء؛ فمن يمارس التشكيل أو الخطأ يكون أول من يتهم الشرفاء به.

2. التبرير الأخلاقي: يغلف غيرته وحقده بغلاف زائف من الحرص والتقوى أو المصلحة العامة، فيقول: “إنما أقول ذلك خوفاً عليك وعلى المؤسسة”.

3. التشكيك الممنهج: يبث الشكوك الناعمة في جهود الآخرين ونجاحاتهم، ويقلل من قيمة ما ينجزون حتى يبدو هو الأعمق فهماً والأكثر وعياً وتجرداً.

رابعاً: تجليات المؤذي المقنّع في ساحات التنافس

من أبرز صور هذا النمط ما يظهر جلياً في بيئات العمل والبيئات الأكاديمية والتنافسية؛ حيث تجد شخصاً يدّعي الحرص الخالص على المبادئ والقيم، ويتصدر المشهد متحدثاً بلسان الفضيلة، لكنه في الخفاء يمارس عكس ما ينادي به تماماً.

ما الدافع النفسي العميق وراء هذا التناقض؟

 الخوف الشديد من الانكشاف: يخشى أن يُقاس أداؤه الفعلي بغيره من المبدعين فيظهر قصوره، فيسبق بالاتهام والتشكيك ليصرف الأنظار عن ضعفه.

 الغيرة من تقدم الآخرين: يرى غيره يتطور بثبات فيشعر بالتهديد في مكانته؛ وبدل أن يطور مهاراته، يختار استنزاف الطاقة في التشكيل بجهد غيره.

 التناقض الداخلي الصارخ: يعلم في داخل أعماقه أن مسلكه غير سوي؛ وبدلاً من المواجهة الشجاعة مع ذاته، يُسقط هذا الشعور على الآخرين.

فيتحول من مشارك في البناء إلى حكمٍ متسلط، ومن منافسٍ شريف إلى جلادٍ خفي. وغايته الأساسية ليست الحفاظ على القيم، بل الحفاظ على صورته وهيبته الزائفة.

خامساً: الأثر النفسي المترتب على المحيط

يؤدي التعامل المستمر مع هذا النمط السام إلى:

 استنزاف الطاقة النفسية: تشعر بإنهاك ذهني ونفسي شديد بعد كل لقاء أو حوار معه.

 الشك في الذات (ظاهرة \bm{Gaslighting}): تبدأ بتصديق أدبياته المزيفة، وتتشكك في إخلاصك أو نجاحك لمجرد أنك مميز.

 تلويث المناخ العام: يتحول كل نجاح مستحق إلى موضع اتهام وشبهة، وكل جهد مخلص إلى موضع تشكيك.

سادساً: كيف نتعامل معهم؟ ثلاث قواعد ذهبية لحماية الذات

1. قاعدة المرآة والتجاهل: لا تبرر ولا تشرح موقفك لمصطادي الأخطاء؛ فمن أراد أن يفهمك بنية حسنة فهمك من المرة الأولى. فتجاهل من يتجاهل قدرك، ولا تمنحه شرف المعركة.

2. قاعدة الحدود الصلبة: ضع حدوداً نفسية وإجرائية واضحة وحازمة. قل بصلابة وتأدب: “لا أقبل هذا الأسلوب المبطن”، ثم انسحب بهدوء ورزانة.

3. قاعدة القيمة الذاتية المستقلة: إن قيمتك كامنة في ذاتك وجوهر عطائك… لا في أعين الآخرين أو تقييم المغرضين. تذكر دائماً أن الشجرة المثمرة هي من تُرمى بالحجارة، وأن الناجح هو من يُحارب.

الخاتمة ورسالة

إن أخطر أنواع الأذى والخذلان ليس ذلك الصريح الفج، بل الذي يأتيك مغلفاً في كوب من العسل. إن الشخص الذي ينشر السم بلسان معسول هو في الحقيقة إنسان جريح ومستنزَف، لم يتصالح قط مع نفسه، فقرر أن يجعل العالم كله جريحاً ومكتئباً مثله.

ولكن تذكر دائماً: النار لا تحرق في النهاية إلا نفسها. وإن الغيرة والتشكيك اللذين يصبونهما عليك هما أكبر دليل حي على أنك تسير في الطريق الصحيح وتترك أثراً لا يُستجلب.

فامضِ في طريقك بثبات، وليكن علوك وإنجازك هو ردك الصامت، وصمتك هو عقابهم الرادع، ونجاحك المستمر هو شفاؤك وسلامك.