الحياة التى نعرضها
الكاتب هانى الميهى
الفصل الخامس
السر
حين يصبح الإنسان مشغولًا بأن يراه الجميع، يبدأ فى الابتعاد عن الشخص الذى يراه كل صباح فى المرآة.
لا أعرف متى أصبحت الحياة مسرحًا كبيرًا.
لكننى أعرف أن كثيرين لم يعودوا يعيشون أيامهم كما يشعرون بها، بل كما يريدون أن يراها الآخرون.
لم تعد اللحظة تُعاش أولًا…
بل تُفكر فى شكلها قبل أن تُعاش.
أين أقف؟
كيف أبتسم؟
ماذا سأكتب؟
وكم شخصًا سيرى ذلك؟
أحيانًا أشعر أن بعضنا لم يعد يلتقط صورة لذكرى جميلة…
بل يصنع الذكرى من أجل الصورة.
ما أكثر الوجوه التى تبتسم فى الضوء…
وتبكى فى الظلام.
وما أكثر البيوت التى تبدو عامرة بالدفء…
بينما الصمت يملأ جدرانها.
لسنا كاذبين دائمًا…
لكننا أصبحنا نختار الجزء الذى نسمح للعالم أن يراه.
ومع الأيام…
يتضخم هذا الجزء حتى يبتلع الحقيقة كلها.
الغريب أن الإنسان لم يكن فى حاجة إلى جمهور كى يعرف قيمته.
كان يكفيه أن يطمئن قلبه.
أما اليوم…
فقد أصبح ينتظر حكم الغرباء على يومه.
صورة لا تجد إعجابًا كافيًا…
فتفسد فرحة كانت حقيقية.
وكلمة تمر دون انتباه…
فتجرح ثقة لم يكن ينقصها إلا قليل من الصمت.
وكأننا سلَّمنا مشاعرنا إلى أيدٍ لا تعرفنا، ثم انتظرنا منها أن تقرر لنا إن كنا سعداء أم لا.
ليست المشكلة فى أن يراك الناس.
فالإنسان بطبيعته يحب التقدير.
لكن المشكلة أن يتحول التقدير إلى غذاء لا يستطيع العيش بدونه.
حينها…
لن يعود يسأل:
“هل أنا راضٍ؟”
بل سيسأل:
“هل أعجبهم ما فعلت؟”
وهنا تبدأ أخطر رحلة…
رحلة الابتعاد عن النفس.
كلما ازداد اهتمام الإنسان بصورته أمام الآخرين…
قلَّ اهتمامه بصورته أمام نفسه.
فيتعب كى يبدو قويًا…
وينسى أن يسأل إن كان قويًا حقًا.
ويجتهد كى يبدو سعيدًا…
ولا يمنح نفسه فرصة أن تبحث عن السعادة.
ويضحك كثيرًا…
حتى لا يلاحظ أحد أنه لم يضحك من قلبه منذ زمن.
ليس كل ما يُنشر حقيقة.
وليس كل ما يُخفى كذبًا.
هناك أوجاع لا تُكتب.
وأفراح لا تحتاج شاهدًا.
وحياة كاملة لا تراها العدسات، لكنها أكثر صدقًا من آلاف الصور.
ربما أجمل ما فى الحياة…
هو ذلك الجزء الذى لا يعرفه أحد.
ذلك الجزء الذى لا يحتاج تصفيقًا، ولا تعليقًا، ولا إعجابًا.
يكفيه أن يكون حقيقيًا.
أخشى أن أعظم خسائر الإنسان المعاصر…
أنه لم يعد يكتفى بأن يعيش.
بل أصبح يريد أن يُثبت للآخرين أنه يعيش.
وفى الطريق…
نسي أن يسأل نفسه:
هل أنا سعيد فعلًا…
أم أننى أجيد تمثيل السعادة؟
الحياة ليست معرضًا مفتوحًا.
وليست مسابقة على أجمل اللحظات.
الحياة لحظات صادقة…
قد لا يراها أحد.
لكنها تترك فى القلب أثرًا لا تصنعه آلاف النظرات.
ولهذا…
كلما ازداد الإنسان انشغالًا بصورة حياته…
ازدادت حاجته إلى أن يعود، ولو مرة واحدة، إلى الحياة نفسها.
رسالة الفصل
ليس كل من يراك يعرفك، وليس كل ما تخفيه ضعفًا؛ فأصدق ما فى الإنسان، غالبًا، لا تلتقطه الكاميرات.
تمهيد الفصل السادس
لكن لماذا أصبحنا نخشى أن يفوتنا أى شىء، حتى لو كنا نعيش أجمل ما لدينا؟ وهل تحول الخوف من الفوات إلى سجن جديد لا نراه؟






المزيد
لأننا ظهرٌ واحد.. سننجح مهما طال الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري
مجزرة بقلم مريم الرفاعي
الصديق الحقيقي أثمن من كنوز الدنيا بقلم ابن الصعيد الهواري