مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الشاعر السوداني د. ناشد أحمد عوض في ضيافة ايڤرست

 

حوار: ثروت الدمرداش

شاعرٌ نبتت أشعاره من رياض أفكاره المنفردة، واستمد حبر كلماته من نيل بلده العظيم، كتب الشعر وأبدع فيه، رائعته (الطفل الأسود) أذهلتنا، من يقرأ له مرةً سيدمن كتاباته.

 

ومثلما هذا الرجل يداوي بالطب مرضاه، فكتاباته احدى وسائل الشفاء.. إنه الشاعر السوداني الطبيب ”د. ناشد أحمد عوض” والذي تفضّل مشكورًا بتلبية دعوة مجلتنا ليحل ضيفًا عزيزًا علينا.. فأهلًا بكم.

_في البدء نود منك أن تعرف القُرّاء عليك في كلماتٍ قلائل، فهلّا فعلت ذلك؟

”ناشد أحمد عوض”، أبلغُ من العمر أربعون عامًا، سوداني من العاصمة (الخرطوم)، حاصل على بكالوريوس طب وجراحة من جامعة (العلوم الطبية والتكنولوجيا) بالسودان وتخصصتُ في الطب الباطن .

  • كيف جاءت بدايتك في كتابة الشعر، كيف أكتشفتَ أنكَ تملك تلك الموهبة الفريدة؟

جاءت بدايتي بعد تأثُّري بوالدي الذي كان معلمًا للغة العربية، وكنتُ أجدُ في مكتبته الكثير من دواوين الشعر، وكتب الأدب العربي، وبالرغم من انشغالي بالدراسة الأكاديمية إلًا أنني كنت أتصفح الشعر من وقت لآخر، وأستشعر جماله، وأتفيأ ظلاله الوارفة الرقراقة، علاوة على ذلك كان للنشاط المدرسي الأدبي دورًا كبيرًا في صقل موهبتي من خلال الفعاليات والأنشطة الأدبية، إضافة إلى دعم الأساتذة لي في تلك الفترة، ووجدت في الشعر بعدئذ ملاذًا للتعبير، ووجهةً للإنسكاب الحسِّي والشُّعوري دون غيره .. فبدَأَتْ تتمخَّضُ هذه الموهبة من محاولات شعرية وليدة، كانت تزحف قليلًا قليلًا حتى استطاعت الوقوف والحركة.

  • باعتبار الطب من العلوم الإنسانية النبيلة، هل أثرت دراسة الطب وممارسته في كتابتك للشعر؟

دومًا ما أُسأَلُ هذا السؤال، وأعتقد أنَّ ليستْ هناك علاقة جوهرية تربط الشعر بمهنة ما عمومًا.

 

وكما تعلم أن الشعر ارتبط بكافة المجالات المهنية والحرفية أيضًا، وهناك أمثلة كثيرة لشعراء كبار كانو حرفيين.

بل أن تاريخ الأدب العربي يشمل شعراء كانوا لا يجيدون القراءة والكتابة، وقد ورد ذلك في كتاب ” أمِّيون شعراء فصحاء ” لدكتور / أحمد بلحاج الذي تطرَّق فيه لأمثلة تحوي شعراء من العصر العباسي والمملوكي والأندلسي، لكن أيضًا يمكنني القول بأن الجانب الإنساني في مهنة الطب ربما له تأثير على الشعر من خلال بعض المواقف آناء الممارسة الطبية.

  • فزتَ بجائزة الشعر الفصيح في مسابقة طرابلس الغرب بليبيا وكان الفوز على مستوى العالم العربي، حدثنا أكثر عن تلك التجربة؟

كانت تجربة فريدة ومميَّزة حقا بالنسبة لي، وكان تفرُّدها يكْمن في أنها أوَّل تجربة تخصُّني للمشاركة في محفل شعري يجمع أقرانًا من شتى أنحاء العالم العربي، وربَّما هذه المشاركة كان لها دور بالنسبة لي في بداية التواصل الأدبي خارج نطاق الوطن الأم، وتُوِّجَت بالفوز في هذه المسابقة.

 

جديرٌ بالذكر أن النصَّ الفائز ” الطفل الأسود ” الذي يحكي عن معاناة الطفل الإفريقي كُتِب في إحدى الرحلات الجامعية البحثية عن مرض عمى الأنهار، ولم أكنْ أتوقَّع فوزه بهذا المركز، ولكنه حقق الفوز .

  • ”يقال أن شر الشعر ما سئل عن معناه ” الشعر بين البساطة والتعقيد، برأيك.. هل الشاعر الجيد هو من يأتي بنص يحتاج الى اِعمال العقل فيستدعي الغوص فيما وراء الكلمات، أم أن الشاعر الحق هو من يكتب السهل الذي يفهمه حتى البسطاء من العامة، وهنا اسأل أيضًا هل تختلف درجة التعقيد حسب نوعية الموضوع او الفئة التى يوجه الشاعر حديثه إليها؟

هذا سؤال وجيه، عمومًا أنا أفضِّل دوما الفصل بين النص الشعري والمتلقِّي أثناء عملية التكوين، ولا أضع اعتبارا للتلقِّي مطلقا في هذا الطور، أما سطحية النص من عمقه فهذا يتعلَّق بفكرة ما يُساورها شعور محدد ينجم عنه بعدئذ تشكيل النص الشعري، وأعتقد أن هذا العمق مطلوب في بعض النصوص حتى يشعر الشاعر بالإكتفاء الشعوري إن جاز التعبير لإشباع فكرته، وحسه المترجم واقعا في هيئة النص الشعري بما يحمل من إيحاء، ودلائل وتصاوير وفقا لسردية بنائية تحمل معها قرينة ما.

 

عمومًا يطول الحديث في هذا الأمر ويختلف البعض أيضًا فيه، لكن أعتقد أن هذه الكيمياء الشعرية هي مطلوبة بغض النظر عن تصنيف النص لاحقًا من قبل المتلقِّي بكونه سطحيًا أو عميقًا، وعلى الشعر أيضًا ألّا يفقد فحواه، وكنه فكرته من خلال الغموض المتشتِّت الذي لا يترابط ولا يتصل بفكرة ما.

  • هل كتبتَ أجناس أدبية أخرى غير الشعر؟

نعم في مراحلي الأولى كنت أكتب القصة القصيرة، لكنني الآن اكتفيت بالشعر، وأيضًا بكتابة النثر والخواطر الأدبية من وقت لآخر.

  • حدثنا عن قصيدة لك كتبتها ثم اصبحت محببة لديك أكثر من الأخريات، ولماذا؟

ليس لديّ صراحةً نص شعري أفضل من الآخر ما دمت ارتضيته بعد كتابته، وشعرت أنه جسَّد فكرتي وشكَّلها بما أشاء وأرغب، وعليه فكل نصوصي تجد مني كل الود والتبنِّي، لكن بالمقابل هناك نصوص لي وُئِدت مُبكرًا بعد ولادتها، ربما لأنها كانت أقل قدرًا من إستيفاء ما هو مناط بها وفق رؤيتي الشعرية.

  • لماذا اخترتَ الكتابة بالفصحى تحديدًا؟

الفصحى هي اللغة الأم، ومكْمنُ الجمال والبلاغة، وهي التي نزل بها القرآن الكريم معجزة الله الخالدة، علاوة على كونها هوية أساسية لكل لسان بها يتحدَّث وينطق، وصراحة لا يروق لي إلّا الشعر الفصيح قراءةً وكتابة، والفصحى هي الرابط اللغوي الرئيس لكل متحدث بالعربية بغض النظر عن جنسه أو مكانه، لكني أيضًا بالمقابل أحترم أدب وشعر العامية والتي تعكس ثقافة جغرافية معينة، وفلكلور يبْرز هويَّتها وإرثها الخاص بها.

  • هل تشارك في فعاليات خارج بلدك؟، وما هي آخر تلك الفعاليات التي شاركت فيها؟

نعم، كان ذلك بصورة أكبر في وقت سابق، لكن مع الإنشغال المهني أصبح من الصعوبة بمكان المشاركة خارج الوطن، لا سيما أن مواعيد مثل هذه الفعاليات تفترض أوقاتًا لا تتَّسق في غالبها مع راهن العمل، لكن أشارك كثيرًا في فعاليات أدبية كبرى عبر الوسائط والتقنيات الإلكترونية، وأتطلّع مستقبلا للمشاركات الخارجية إن سمح الزمن، أما بخصوص آخر فعالية شاركت وسافرت إليها فأعتقد أنها كانت في لبنان قبل وقت ليس بقصير.

  • السودان بلدٌ غني باللغة، والمبدعين ولديكم الخلاوي أيضًا يرتادها الصغار منذ الصغر لتعلم القرآن الكريم، كل هذا ينتج شخصيات متمكنة لغويًا، برأيك أيها الشاعر..ماذا يحتاج الشاعر السوداني حتى يستطيع أن يسمع صوته للوطن العربي والعالم؟

هو بالفعل صوتُه الآن مسموع للوطن العربي والعالم، وهناك الكثير من الأمثلة لشعراء وشواعر استطاعوا أن يصلوا إلى المتلقِّي العربي في كافة أنحاء العالم، لكن ربَّما الإعلام سابقًا سواء الداخلي أو الخارجي قد ظلم بعض أساتذتنا، والرواد من الشعراء الأوائل الذين لم يحظوا بما حظي به شعراء الآن، وقد ساعد الأجيال الأخيرة تواجد مواقع التواصل الإجتماعي والثقافي والتي واتَت وسهّلت عمليّتَي النشر والتلقي، ووجدت أشعار الأجيال الأخيرة من الشعراء استحسان الذوائق العربية ولا شك إطلاقًا لديَّ في هذا.

  • الشاعر ابن بيئته، والشعر ابن الشاعر.. حدثنا عن البيئة التى نشأت فيها، وما إذا كان لها دور في تكوين الشاعر الذي بداخلك؟

أنا نشأت في منطقة عسير في الجنوب السعودي تحديدا في منطقة رجال ألمع، وعدت الى السودان لاحقًا للإلتحاق بالدراسة الجامعية، وأعتقد أن نشأتي هناك تأثرت بقيم وعادات مجتمعية أصيلة، وبإرث إنساني فريد يميُّز هوية إنسان الجنوب، وتُكسِبه لونيّته الثقافية الخاصة، تلك التي تتفرد بجمالّياتها وبساطتها.

كذلك تأثَّرتُ بالدعم الكبير من قبل الجميع في تلك الفترة خصوصًا من المحيط المدرسي والتعليمي، علاوةً على طبيعة عسير الخلَّابة، مما أكسب طابع كتابتي صور الطبيعة وملامحها في أغلب ما أصوغ وأكتب.

  • إلى ماذا تريد أن تصل في كتاباتك للشعر؟

تعنيني دوما الغاية الآنيَّة التي أعبر بها عن فكرة أو قضية أو رأي ما، وأُحمِّل النصَّ الشعري دومًا مسؤولية الإمتثال والتكوين بما يتَّسق مع شعوري، وبما يستوفي فكرتي التي من أجلها عمدت إلى تخليقه، ولا أكلِّفه بمهمة التلقّي الآجل والمعمِّر، فقط أساعده على الوقوف بالنشر ثم أتركه يواجه مصيره وحيدًا.

  • لمن تقرأ من الشعراء؟.. سواء شعراء جيلك أو الأجيال الأخرى؟

لا تقتصر قراءتي على شعراء دون غيرهم أقرأ للكل وعلى مدى جميع الأجيال، وأميل إلى تذوُّق النصوص، وليس الشخوص، فأحيانًا لا يروق لي نص شعري لشاعر كبير، وبالمقابل تنال ذائقتي استحسان نص شعري لآخرٍ مغمور.

  • كيف ترى مستقبل الشعر في السودان؟

مستقبل الشعر في السودان هو مستقبل واعدٌ ومبهر، يكتنز الروعة وجمال الشعر في أبهى صوره، وقد تيقَّنتُ من هذا بسبب ظهور نشء جديد لديه الموهبة والأدوات التي من خلالها يستطيع بناء نفسه، ويُؤسِّس لمراحل شعرية جديدة؛ تحمل لواء الأمس وتضفي عليه رونقها وإبداعها الخاص، ولي أن أذكر هنا دور بيت الشعر في الخرطوم على تبنِّيه مثل هذه المواهب والعمل على صقلها بكافة السبل والإمكانيات المتاحة.

  • سعدنا بهذا الحوار معك كثيرًا في الختام ماذا تقول لمجلة ايڤرست الأدبية؟

أشكر منبركم الأدبي الرائد، والذي تمثِّله مجلتكم الرائعة ” مجلة إيفرست الأدبية “.

كما أثمِّنُ كثيرًا دوركم الخلاق من أجل السموِّ باللغة وأدبها الرفيع الجم، علاوة على الإرتقاء بالذوائق عبر ما تنشره مجلتكم من مواد أدبية وثقافية ثرَّة وقيِّمة.

كما لا يفوتني أن أتوجَّه لك أ. ثروت الدمرداش بالشكر الجزيل على حوارك الشفيف، وأسئلتك وجيهة الفحوى، وثمينة الجوهر.

تقبلوا مني أصدق تحياتي وأجل تقديري وامتناني.