مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أعجز عن التعبير بقلم الكاتب هانى الميهى

أعجز عن التعبير
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثامن
من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق

كان يظن فى البداية أن المشكلة فى الكلمات. كلما جلس ليكتب، محا ما كتب. وكلما حاول أن يتحدث، شعر أن الجملة التى خرجت من فمه لا تشبه ما كان يدور فى داخله. لم يكن ينقصه قاموس أوسع، ولا قدرة أفضل على الحديث، بل كان ينقصه شىء واحد… لغة تتسع لما يشعر به.

هناك مشاعر لا تعجز عنها القلوب، بل تعجز عنها اللغة. يقف الإنسان أمام نفسه، يعرف تمامًا ما يؤلمه، لكنه إذا حاول أن يشرحه، بدا كل ما يقوله أصغر من الحقيقة. فيسكت، ليس لأنه لا يملك ما يقول، بل لأنه يخاف أن تظلم الكلمات ما يحمله فى صدره.

ولهذا، لا يكون الصمت دائمًا اختيارًا. أحيانًا يكون آخر ما تبقى من الصدق. فبعض الأحاسيس إذا خرجت ناقصة، بدت كأنها لم تكن موجودة أصلًا. وبعض الجروح إذا وُصفت بجملة واحدة، شعر صاحبها أنه خان سنوات كاملة من الوجع.

كان يسمع من يقول له: “تحدث… ستشعر بالراحة.” ولم يكن يعرف كيف يشرح لهم أن المشكلة ليست فى الرغبة فى الكلام، بل فى استحالة اختصار العمر فى دقائق. كيف يحكى عن خوف بدأ منذ سنوات؟ وكيف يصف تعبًا لم يصنعه موقف واحد، بل صنعته أيام طويلة لم ينتبه إليها أحد؟

ولذلك كان يؤجل الحديث. لا لأنه نسى، بل لأنه كان ينتظر العبارة التى تشبهه. وكلما انتظر أكثر، ازدادت المسافة بينه وبين ما يريد قوله، حتى أصبح الصمت أسهل من محاولة جديدة تنتهى بخيبة أخرى.

ومن أغرب ما يفعله العجز عن التعبير أنه يجعل الآخرين يكتبون قصتك بدلًا منك. لأنك حين لا تشرح نفسك، يبدأ كل من حولك فى تفسيرها بطريقته. هذا يراك متكبرًا، وذاك يراك باردًا، وآخر يراك لا تكترث لأحد، بينما الحقيقة كانت تقف خلف شفتيك، تبحث عن جملة واحدة تنقذها من سوء الفهم.

ولم يكن يؤلمه أن الناس لم يعرفوا ما يشعر به، بل كان يؤلمه أنهم عرفوا شخصًا آخر لا يشبهه. شخصًا صنعه الصمت، بينما ظل الإنسان الحقيقى حبيسًا فى الداخل، ينتظر فرصة لم تأتِ.

ومع مرور الوقت، لم يعد يخاف من الحديث، بل خاف من أن يأتى اليوم الذى يتوقف فيه عن المحاولة. فحين يقتنع الإنسان أن أحدًا لن يفهمه، يبدأ فى توفير الكلمات، لا لأنها انتهت، بل لأنه فقد الإيمان بجدواها.

وربما لهذا لم يكن العجز عن التعبير نقصًا فى اللغة، بل كان امتلاءً فى القلب. فالأنهار الصغيرة يسهل احتواؤها، أما البحر، فلا تكفيه حفنة من الكلمات.

وفى تلك اللحظة فهم أن أثقل ما يمكن أن يحمله الإنسان ليس السر، ولا الحزن، ولا الخسارة…

بل حياة كاملة، لا يستطيع أن يحكيها.

 

رسالة الفصل

ليس كل من صمت عاجزًا عن الكلام، فقد يكون عاجزًا فقط عن أن يجد كلمات تليق بما عاشه.

تمهيد الفصل القادم

لكن حين تعجز الكلمات، يبدأ الداخل فى التغير، ويصبح الإنسان غريبًا حتى عن نفسه.

الفصل التاسع: كان الأمر أشبه باللعنة.