كنت أشعر بكل شىء
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق
الفصل السابع
لم يكن يتعب من الأحداث الكبيرة وحدها. كان يتعب من التفاصيل التى لا يراها أحد. من نبرة صوت تغيرت فجأة، ومن نظرة مرت سريعًا على وجه شخص يعرفه، ومن صمت جاء فى غير موعده، ومن ابتسامة شعر أنها خرجت مجاملة لا فرحًا. كان يلتقط ما يعبر فوق الناس، ثم يحتفظ به داخله كأنه يخصه.
كان الآخرون يعيشون اليوم كما هو، أما هو فكان يعيشه مرات كثيرة. مرة حين يقع، ومرة حين يفكر فيه، ومرة حين يحاول أن يفهمه، ومرة حين يتساءل إن كان قد أساء الفهم. ولهذا لم يكن يتعب من الحياة وحدها، بل من كثرة ما يمنحه عقله لكل لحظة من عمره.
هناك أشخاص يمرون بالمواقف ثم يتركونها خلفهم، وهناك آخرون يحملونها معهم أينما ذهبوا. لا لأنهم يحبون الألم، بل لأن قلوبهم لا تعرف كيف تغلق الباب بعد انتهاء الحكاية. كل كلمة تسمعها، وكل وجه تراه، وكل وداع يمر أمامها، يجد مكانًا فى الذاكرة، ثم يبقى هناك أطول مما ينبغى.
لم يكن يشعر بالحزن وحده، بل كان يشعر بحزن الآخرين أيضًا. وإذا رأى ابتسامة ناقصة، بحث عما ينقصها. وإذا سمع ضحكة متعبة، حاول أن يسمع ما تخفيه. كان يرى ما لا يُقال أكثر مما يسمع ما يُقال، ولذلك كانت الحياة بالنسبة إليه أكثر ازدحامًا من حياة غيره.
لكن كثرة الشعور ليست هبة خالصة. فالقلب الذى يتسع لكل شىء، قد لا يجد مكانًا لنفسه. ينشغل بوجع الآخرين حتى ينسى وجعه، ويبرر أخطاء الجميع حتى يعجز عن الدفاع عن نفسه، ويغفر كثيرًا حتى يظن الناس أن الغفران لا يكلفه شيئًا.
ومع مرور الأيام، يصبح الإنسان غريبًا عن راحته. يعرف كيف يواسى، ولا يعرف كيف يطلب المواساة. يعرف كيف يفهم، ولا يجد من يفهمه بالطريقة نفسها. ليس لأن الناس قساة، بل لأن ما يحدث داخله لا يظهر على وجهه، فيظن الجميع أن قلبه أخف مما هو عليه.
ولعل أصعب ما فى الشعور الزائد أنه لا يمنح صاحبه يقينًا، بل يمنحه أسئلة لا تنتهى. هل قصد تلك الكلمة؟ هل تغير حقًا؟ هل أخطأت فى الفهم؟ هل كان علىّ أن أتكلم؟ وهكذا يعيش بين احتمالات لا يراها أحد، بينما يراه الجميع إنسانًا هادئًا لا يشغله شىء.
ولم يكن يتمنى أن يشعر أقل، بل كان يتمنى أن يجد من يخفف عنه هذا الامتلاء. فالقلب لا يختنق لأنه ضعيف، بل لأنه حمل أكثر مما خُلق ليحمله وحده.
عندها فهم أن المشكلة لم تكن فى أنه يشعر بكل شىء، بل فى أنه كان يظن أن عليه أن يحتمل كل ما يشعر به وحده.
رسالة الفصل
ليس أثقل ما فى الحياة كثرة ما نشعر به… بل أن نظل نحمله وحدنا حتى نظن أن هذا هو قدرنا.
تمهيد الفصل القادم
لكن يبقى سؤال لم يجب عنه أحد…
إذا كان يشعر بكل هذا العمق، فلماذا عجز عن أن يعبّر عنه؟
الفصل الثامن: أعجز عن التعبير.






المزيد
خيوط الإرادة بقلم الكاتبة شاهيناز محمد
كانوا يرون جبلًا بقلم الكاتب هانى الميهى
ظلمات الخطايا بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله