بقلم / خالد محمد شعبان
يخطئ من يختزل مؤسسة الزواج في مجرد رأيٍ عابر أو انطباع سطحي يمكن إطلاقه بمجرد السؤال عنه، فالزواج ليس سلعةً استهلاكية تُقيّم بجلسة استرخاء بل هو مشروع حياة متكامل يسعى فيه طرفان لبناء كيانٍ إنساني مشترك يقضيان فيه ما تبقى من العمر، ولعل الإجابة الأكثر دقة وتوصيفاً لطبيعة هذه العلاقة تكمن في كونه “واقعاً يفتقر للمثالية المطلقة” تماماً كما يفتقر الطعام للملح فهو يحتاج إلى تقبل طعمه الأصيل دون تزييف.
أنماط المقبلين على الزواج
يمكن تصنيف الدوافع التي تحرك معظم المقبلين على الزواج إلى ثلاثة توجهات رئيسة، غالباً ما تفتقر إلى النضج الكافي:
التوجه الغريزي حيث يتركز التفكير كلياً في الجوانب الحسية والمادية والتحضيرات الاحتفالية، مع إهمال ما يتبع ذلك من مسؤوليات.
التوجه العاطفي المفرط الذي يختزل العلاقة في الرومانسية الحالمة والتواجد المستمر في فلك العاطفة دون اعتبار للواقع العملي.
التوجه المثالي الساذج وهو السعي نحو بناء أسرة نموذجية بناءً على أحلام وردية وتصورات خيالية، دون وعيٍ حقيقي بالتحديات اليومية.
تكمن المشكلة الجوهرية في هذه الأنماط الثلاثة في “تنميط الشريك” حيث يُنظر إلى الطرف الآخر كجائزة أو هدف يتم الحصول عليه بعد عناء السنين، مما يؤدي إلى تهميش دراسة طباعه وأخلاقه ومدى ملاءمته الحقيقية للطرف الآخر.
وهم التغيير ومثالية البدايات
خلال فترة الخطوبة غالباً ما تطغى المشاعر والتعلق والعبارات المنمقة على الجانب النقدي والتحليلي في العقل، وهذا الانبهار المتبادل يحجب الرؤية الموضوعية للنقائص والعيوب التي قد تظهر تدريجياً، والسبب في هذا التجاهل المتعمد هو الخوف من مواجهة الحقيقة، مما يدفع الأطرافك إلى تبني فكرة مغلوطة مفادها أن “الشريك سيتغير بعد الزواج” أو أن “الحب سيعالجه”.
والواقع يؤكد أن الطباع المتأصلة لا تتبدل بسهولة بمجرد عقد القران بل على العكس يؤدي الاختلاط الدائم والمعاشرة المستمرة إلى ذوبان الحواجز الرسمية وظهور العادات العفوية غير المتكلفة، فالمعاشرة تجعل الزوجين يكتسبان من صفات بعضهما البعض من خلال الملاحظة والتقليد اللاواعي، وهو ما يفسر ضرورة إرساء بيئة من الانضباط الذاتي في المنزل لتنتقل إلى الأبناء وبقية أفراد الأسرة دون إكراه.
أسس الاختيار والحوار الجاد
إن امتلاك معايير محددة وواضحة في الشريك هو الضمانة الحقيقية لاستقرار العلاقة، ويجب الابتعاد عن الرهان على “معجزات الحب” في تغيير الشخصيات والبحث بدلاً من ذلك عن التوافق والانسجام منذ البداية.
وتعد فترة الخطوبة فرصة ثمينة للتعارف العميق واختبار القدرة على حل الخلافات الناشئة، وإدارة حوارات تتسم بالجدية والعمق إذ يجب أن ينصب الحوار على:
التصورات المستقبلية لشكل الحياة اليومية.
منهجية تربية الأبناء.
الفلسفة المتبعة في إدارة الموارد والمعيشة.
إن الاتفاق على هذه الركائز قبل الزواج يقلل من فجوة الصراعات المستقبلية، مع ضرورة الاستخارة والتوكل على الله في هذا القرار المصيري.
تقبل الواقع وعدم المثالية
مهما بلغت درجة التوافق ستظل هناك نقاط خلافية متباينة بين الطرفين لذا وجب الاعتياد على فكرة أن الحياة ليست جنةً مطلقة ولا شركةً جافة، بل هي مزيج معقد يتطلب الحكمة والفطنة بقدر ما يتطلب العاطفة والرومانسية.
ومن الضروري إدراك التباين السيكولوجي بين الطرفين فالنساء غالباً ما يمتلكن حساسية عاطفية أعلى تجاه الأحداث، مما يتطلب من الرجل تفهماً واحتواءً لمشاعر القلق أو الفرح لديهن، فالزوجة ليست مطالبة بالكمال في أدوارها كما أن الزوج ليس معصوماً، بل المطلوب هو الوعي بالحقوق والواجبات الزوجية من خلال القراءة والتعلم قبل الإقدام على هذه الخطوة لتجنب العشوائية في التجربة.
الزواج في جوهره هو حياة واقعية “ناقصة الملح” فهي ليست سيئة أو مليئة بالصراعات الدائمة وليست أيضاً حياة وردية خالية من الكدر، بل هي شراكة إنسانية يتقاسم فيها الطرفان تفاصيل العمر بحلوه ومره بتفاهمه وخلافاته، ومن الحكمة تقبل طعم هذه الحياة كما هي والسعي لترميم ثغراتها بالصبر والمودة بعيداً عن أوهام المثالية الزائفة.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق