كتبت منال ربيعي
كان ماجد ينظر من حوائط بيته الزجاجية، يرى كل شيء حوله. يراقب العاملين وهم يمسحون الحوائط بجد، والعاملات في الحديقة ينظفن كل شيء بإتقان. يراهم ويراقبهم بملل، ثم تفقد قائمة أعماله اليومية دون رغبة في مغادرة المنزل. خلع ساعته الرولكس الفاخرة وألقاها في القمامة، وكذلك جميع ملابسه، وألقى بها في القمامة. تجرد من كل شيء وما زال يشعر بثقل في قلبه، تناول بعض الأقراص المنشطة وتبعها بمشروب طاقة فاخر. ارتدى جلبابًا أبيضًا ووشاحًا، ورش عطر العود الفاخر وصفف شعره، ثم ركب المصعد الداخلي للفيلا.
أخذ يراقب كل شيء بملل حتى وقعت عيناه على فتاة نحيلة بارزة الأنوثة، ترتدي زي الخدم، لكن شعرها يتدلى خلفها في جديلة بنية طويلة تصل إلى ردفيها البارزين. كانت تنظف الأرض بدقة وتلمعها بأداة تلميع حديثة، لكنها خالفت قواعده بكونها حافية القدمين، وجديلتها الطويلة تترنح على طول ظهرها كان مشهداً شاذاً بين الخدم. قال لها بتكبر بالغ: “انتي، يالا، روحي خدي باقي راتبك وامشي.”
التفتت له بعدم فهم ونطقت بلكنة مصرية: “أنا عملت إيه؟”
لم يلتفت إليها، وأشار بيده باستخفاف.
نطقت الفتاة بتحدٍ وهي تخطو مبتعدة: “الرزاق ربنا.”
لم يعلم لماذا أغاظته الكلمة وقال: “إنتي يا فلاحة، إيه اللي بتقوليه وانتي ماشية؟”
نظرت الفتاة بعدم اكتراث، فما كانت تخشاه أصبح واقعاً: “قلت الرزاق ربنا.”
ضيق ماجد عينيه وقال: “أريدك في غرفتي، هيا.”
ردت الفتاة: “هعمل إيه؟ أوضة حضرتك لها خدم متخصصين. أنا شغلي تحت، أنضف الهول والمطبخ.”
ماجد بغضب: “يا غبية، ما أريدك تنضفي شيء، قوليلي تاخدي كام لليلة.”
نظرت الفتاة وكأنها تبحث عن شيء مكتوب على ملابسها وقالت: “حد قال لحضرتك إني عارضة نفسي للبيع؟ أنا بنضف بس، واترفدت. يبقى سلام.” وتحركت نحو الباب.
اشتعل ماجد غضباً وقبض على يدها: “أنتِ لو خرجتي من الباب هعملك ترحيل من البلد كلها.”
تخلصت الفتاة من يديه ونطقت بتحدٍ: “الرزاق ربنا.”
انفعل بشدة وصرخ بقوة في وجهها، وشعر بوخزة في قلبه، ثم ارتمى على الأرض غير قادر على التنفس. ارتبكت الفتاة ونزلت على ركبتها: “ماجد بيه، أنت كويس؟ حاسس بإيه؟”
ماجد بصعوبة: “قلبي، مش عارف ماله…”
صرخت الفتاة بقوة وجرت نحو هاتف الطوارئ، واستدعت الطبيب، ثم جرت بسرعة إلى المطبخ وأحضرت علبة صغيرة برائحة نفاذة وقرصًا صغيرًا أبيض وضعته في فمه، ثم مزقت الجلباب ودلكت صدره بالمادة، فشعر بأنه يستطيع التنفس وبدأ قلبه ينبض بصورة طبيعية.
حينما شعرت بأنه أصبح بخير، ساعدته على الوقوف وصاحبته إلى المصعد وأدخلته الغرفة. تبعها الخدم ومعهم الطبيب، فالتقطوه جميعاً من يدها ليتفقد الطبيب نبضه وتنفسه، ولاحظ تلك المادة ذات الرائحة النفاذة على صدره وقال بتعجب: “مين دهن المادة دي على جسم ماجد بيه؟”
نطقت الفتاة بخوف: “أنا، أعرف إنه بيوسع الشعب الهوائية وأديته كمان قرص أسبرين، قال إن قلبه بيوجعه، كنت بعمل كده مع أمي…”
الطبيب بتعجب: “غريبة، عدى الأزمة، برافو عليكي!”
ماجد بعيون مثقلة: “حصل إيه؟”
الطبيب: “حصلت أزمة خفيفة، هي عالجتك بشكل فطري جداً. كريم يوسع الشعب الهوائية وحبة أسبرين تمنع تجلط الدم.”
نظر ماجد للفتاة بامتنان: “متشكر، إنتِ اسمك إيه؟”
نظرت الفتاة باسمة: “مفيش داعي للشكر، اسمي رضا يا بيه.”
أتم الطبيب عمله واطمأن على صحة ماجد، ثم أمر الجميع بالمغادرة، وأظلمت الغرفة، وبقي هو بجوار ماجد المستلقي بإرهاق. سأله: “حضرتك شربت منشطات الصبح قد إيه؟”
ماجد بعدم اكتراث: “اتنين.”
الطبيب: “خطر جداً تشربها بالكمية دي، أرجوك خد بالك.”
ماجد بتعب: “حاضر.”
غادر الطبيب وأغلق الغرفة، ليسقط ماجد في بئر عميق مظلم، مستعيداً طفولته، وحدته، لا أخوه ولا أقاربه، تذكر أباه الحنون وأمه. كيف غادر الجميع عالمه؟ أثرت هذه الحادثة فيه. هو وحده الآن، كفره بكل شيء وسيره وراء غرائزه. تلك الفتاة أيقظت بداخله شعوراً بالسكينة، كيف أماته الله وأحياه في بضع ثوانٍ؟ كان يظن أنه سيموت على حين غفلة كما حدث مع والديه.
أفاق وهو جائع، ضغط على الزر ليحضر له الطبيب ومعه مدير المنزل: “أريد الطعام، أشعر بالجوع.”
أحضروا طعامه، التهمه بنهم وقام على عجل ليغتسل. رأى أثر الدهان النفاذ على صدره، وتذكر رضا. شعر أن هذا الدهان لم ينقذه فحسب، بل ملأ قلبه بالرضا والنور. بكى ونطق بالشهادتين.
ارتدى ملابسه وخرج يصلي لأول مرة منذ سنوات، تذكر أباه وصلاتهما معاً وقراءة القرآن مع أمه. كل شيء قد بدأ للتو. نزل للطابق الأول وسأل مدير المنزل عن رضا، ليجدها كما تركها بنفس هيئتها.
نطق بدون تردد: “هل تقبلين الزواج مني؟”
رضا بعدم فهم: “أنا؟!”
ماجد بابتسامة: “نعم، أنتِ.”
تبسمت برقة.
نطق ضاحكاً: “إذن، السكوت علامة الرضا.”
النهاية.






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق