مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحرية التي تُرهق صاحبها

للكاتب/ عمرو سمير شعيب

ليست الحرية، كما صُوِّرت لنا دائمًا، مساحةً مفتوحةً للفرح، ولا امتيازًا خفيفًا يُمنَح ثم يُستهلك بطمأنينة. الحرية في جوهرها حالة ثقيلة تتطلب قدرة داخلية على الاحتمال أكثر مما تتطلب شجاعة على الاختيار. فحين يُرفع القيد لا تُرفع معه الحيرة، بل تتضاعف، ويصبح الإنسان لأول مرة مسؤولًا عن اتجاهه، لا عن نجاته فقط.

في غياب الحرية كان العذر حاضرًا دائمًا: المجتمع، السلطة، الظروف، الآخرون… كلها جدران نتكئ عليها لنبرر عجزنا أو أخطاءنا. أما حين تُفتح الأبواب فجأة فإننا نقف عراة أمام ذواتنا. لا أحد يُملي، لا أحد يُجبر، ولا أحد يُلام. هنا تبدأ الحرية في كشف وجهها المُرهِق. إنها لا تقول لك: افعل ما تشاء، بل تقول لك: تحمّل نتيجة ما تفعل، تحمّل قلق القرار، وتحمّل فكرة أنك كنت تستطيع أن تختار غير هذا الطريق.

الحرية تُنهك لأنها تُسقط وهم الحتمية. لم يعد كل شيء مكتوبًا سلفًا، ولم تعد الحياة مجرد سلسلة من ردود الأفعال. كل اختيار يتحول إلى سؤال أخلاقي، وكل تراجع يبدو كاعتراف ضمني بالفشل. حتى الندم في ظل الحرية يختلف، لأنه ندم بلا شماعة، ندم نقيّ يواجه الذات مباشرة دون وسطاء.

في عصرنا الحديث ازدادت الحرية اتساعًا وتقلّص معها السلام الداخلي. كثرة الخيارات لا تمنح الطمأنينة بل تُربكها. تعدد المسارات لا يصنع وضوحًا بل يفتح أبواب المقارنة الدائمة: ماذا لو اخترت طريقًا آخر؟ ماذا لو تأخرت؟ ماذا لو استعجلت؟ الحرية هنا لا تُحرّر الزمن بل تُفتّته، وتجعل الإنسان يعيش في احتمالات أكثر مما يعيش في واقع.

الأكثر إرهاقًا في الحرية أنها تُطالب صاحبها بالتماسك. لا يكفي أن تختار، بل أن تظل قادرًا على الدفاع عن اختيارك أمام نفسك قبل الآخرين. أن تصمد أمام الشك، وأن تقبل فكرة أنك قد تخطئ دون أن تفقد احترامك لذاتك. وهذا عبء لا يتحمله الجميع. لذلك يهرب كثيرون من الحرية دون أن يصرّحوا بذلك؛ يلوذون بالانتماءات الصلبة، وبالأفكار الجاهزة، وبالأدوار المحددة سلفًا، فقط ليخففوا عن أنفسهم ثقل القرار.

الحرية تُرهق أيضًا لأنها لا تمنحك هويةً جاهزة. أنت مطالب أن تصنع نفسك بنفسك، أن تعرّف ذاتك كل مرة من جديد، وأن تعيش دون يقين كامل. وهذا يتناقض مع حاجة الإنسان العميقة للأمان؛ فالأمان يريد حدودًا، بينما الحرية تهدم الحدود باستمرار.

ومع ذلك لا يمكن اعتبار هذا الإرهاق عيبًا في الحرية. على العكس، ربما يكون هذا الإرهاق هو ثمن الكرامة الإنسانية. الحرية ليست وعدًا بالسعادة، بل اعترافًا بإنسانيتنا الكاملة، بضعفنا وقدرتنا على الخطأ، وبحقنا في أن نعيش حياتنا كمسؤولية لا كتعليمات.

الحرية لا تُريح، لكنها تُنضج. لا تُطمئن، لكنها تُعمّق. ومن يطلب منها الراحة ربما لم يكن يبحث عن الحرية بقدر ما كان يبحث عن مهربٍ أنيق من ثقل الوجود.