مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التسوّل… من المسؤول؟

بقلم: يحيى القطب 

إذا حاولنا البحث عن مسؤولٍ واحد عن ظاهرة التسوّل، فلن نجد سوى جدلٍ عقيم؛ لأن هذه الظاهرة لم يصنعها فرد، بل صنعتها منظومة كاملة، ومن ثمّ لن تنتهي إلا بإصلاح منظومة كاملة.

فالقضايا الكبرى لا تُحلّ بتبادل الاتهامات، بل بتشخيص الأسباب ثم توزيع المسؤوليات.

فالتسوّل ليس مجرد شخص يمدّ يده في الشارع، بل هو نتيجة سلسلة طويلة من الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية؛ ولذلك فإن القضاء عليه لا يبدأ بإدانة الأشخاص، بل بفهم المنظومة التي أنتجته ثم إصلاحها.

ومن هنا فالسؤال الحقيقي ليس: على من نلقي اللوم؟

بل: من المستفيد؟ من المتسبب؟ ومن المسؤول عن الحل؟

أولًا: من المستفيد من تفشي هذه الظاهرة؟

هذا السؤال هو الأكثر إلحاحًا، لأن المستفيد من هذه الظاهرة هو المجرم الحقيقي.

فالتسوّل لم يعد فعل فردٍ فقير، بل نشاطًا منظمًا يستغل تعاطف الناس، ومن أبرز المستفيدين:

  • العصابات المنظمة التي تدير شبكات التسوّل وتستغل الأطفال والنساء.
  • بعض الأسر عديمة الضمير التي تحوّل الطفل إلى مصدر دخل بدلًا من أن يكون طالب علم أو صاحب مستقبل.
  • اقتصاد الظل المرتبط بالتسوّل، من سماسرة وناقلين ومشغلي مناطق يوزّعون المتسوّلين على الشوارع والإشارات.
  • وأحيانًا منظومات فساد صغيرة تغضّ الطرف مقابل منفعة.

هؤلاء هم الذين يتاجرون بعاطفة المجتمع، ويحوّلون الشفقة الإنسانية إلى سوقٍ مربحة تقوم على استغلال الضعفاء.

ثانيًا: من المتسبب في الظاهرة؟

إذا كان هناك مستفيدون من الظاهرة، فهناك أيضًا عوامل ساهمت في صنع البيئة التي تسمح لها بالانتشار.

والسؤال هنا لا يتعلق بالاتهام بقدر ما يتعلق بالمراجعة؛ فأولئك يجب أن يكون لهم دور في الإصلاح كما كان لتقصيرهم دور في ظهور الكارثة، لأن من أتلف شيئًا فعليه إصلاحه.

لقد ساهمت مجموعة من العوامل المتراكمة في خلق البيئة التي تسمح بانتشار التسوّل، منها:

  • التغافل طويل الأمد عن تفاقم الزيادة السكانية وما ترتب عليها من ضغط اجتماعي واقتصادي كبير.
  • ظهور العشوائيات التي تحولت في بعض الحالات إلى بيئات خارجة عن الرقابة المؤسسية، تمارس فيها أنماط متعددة من الجرائم.
  • الفقر المزمن الذي يدفع بعض الأسر إلى حلول قاسية وغير إنسانية.
  • ضعف تطبيق القوانين في بعض الفترات، مما يسمح للشبكات المنظمة بالتمدد.
  • تفكك الأسرة وغياب الرقابة التربوية على الأطفال.
  • اقتصاد غير رسمي ضخم يعمل خارج الأطر القانونية.

هذه العوامل مجتمعة صنعت البيئة التي تسمح لظاهرة التسوّل أن تنمو وتتحول من حالة فردية إلى مشكلة اجتماعية واسعة.

ثالثًا: من تقع عليه مسؤولية القضاء على الظاهرة؟

القضاء على التسوّل مسؤولية مشتركة، لأن الظاهرة متعددة الأبعاد، ولا يمكن التعامل معها من زاوية واحدة فقط.

فالحل يقوم على ثلاث محاور رئيسية:

1) التفكيك

تفكيك البؤر التي تنتشر فيها شبكات التسوّل، وهنا يجب أن يتكامل التعاون بين وزارة الإسكان والتخطيط العمراني ووزارة الداخلية في معالجة البيئات التي تسمح بانتشار هذه الأنشطة غير المشروعة.

2) العقاب

وهو الردع القانوني الصارم لكل من يتاجر بعواطف الناس أو يستغل الأطفال.

وهذا دور وزارة الداخلية ووزارة العدل والهيئات القضائية في ملاحقة الشبكات المنظمة ومعاقبة القائمين عليها.

3) الإصلاح

أما الجانب الأهم فهو إنقاذ الأطفال والمراهقين الذين زُجّ بهم في هذا الطريق.

وهنا يصبح التعاون بين القوى العاملة، والتأمينات الاجتماعية، والتعليم، والشباب ضرورةً ملحّة.

كما يمكن أن يكون للقوات المسلحة دور مهم في إنشاء برامج تأهيل وطني، وتدريب وتشغيل تفتح لهؤلاء طريقًا مختلفًا للحياة.

إن التسوّل في النهاية ليس مجرد ظاهرة في الشارع، بل نتيجة خلل في منظومة كاملة.

ولذلك فإن مواجهته لا تكون بحملات عابرة، بل بسياسة متكاملة تجمع بين التفكيك والردع والإصلاح.

فإذا نجحنا في معالجة هذه الأبعاد الثلاثة، فلن نكون قد أزلنا المتسوّل من الطريق فحسب، بل سنكون قد أنقذنا إنسانًا من أن يتحول إلى ضحية دائمة للفقر والاستغلال، وربما أنقذنا المجتمع نفسه من دورة لا تنتهي من البؤس والجريمة.