مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التزكية

بقلم الدكتورة/ إسلام محمد

استشارية الصحة النفسية، والإرشاد الأسري والزواجي، ودكتورة في التنمية البشرية وتطوير الذات، وعضوة بمنظمة حقوق الإنسان المصرية، وصاحبة كتابي البحث عن الذات وطوظ.

التزكية ليست مفهومًا سطحيًا يُختزل في عبارات تحفيزية عابرة، ولا هي مجرد دعوة أخلاقية تُقال وتُنسى، بل هي عملية داخلية عميقة تبدأ من وعي الإنسان بنفسه، وتمتد إلى تهذيب أفكاره، وتنقية مشاعره، وتقويم سلوكه. التزكية في جوهرها انتقال من الفوضى الداخلية إلى السلام، ومن الانفعال إلى الاتزان، ومن التشتت إلى البصيرة.

يخطئ من يظن أن التزكية تعني قمع المشاعر أو إنكار الألم، بل هي القدرة على فهم ما نشعر به دون أن نُستعبد له، وأن نُدرك ضعفنا دون أن نستسلم له. فالنفس البشرية بطبيعتها قابلة للانحراف كما هي قابلة للسمو، والتزكية هي البوصلة التي تُعيد توجيه النفس كلما مالت عن جادّة الصواب.

تبدأ التزكية بالاعتراف؛ اعتراف الإنسان بأخطائه، وبنقاط ضعفه، وبجراحه غير الملتئمة، وباحتياجاته النفسية التي طالما تجاهلها. فالإنكار عدو التزكية الأول، أما الصدق مع الذات فهو أول أبوابها. وحين يملك الإنسان شجاعة مواجهة نفسه، يصبح قادرًا على إصلاحها.

ولا تتحقق التزكية دون وعيٍ بالفكر، فالأفكار هي المنبع الأول للسلوك. حين يسمح الإنسان لأفكار سلبية أو معتقدات مشوّهة أن تسيطر على عقله، فإنها تنعكس قسوةً على ذاته، وعدوانيةً على الآخرين. أما حين يُنقّي فكره، ويفصل بين الحقيقة والوهم، وبين ما يشعر به وما هو واقع فعلي، فإنه يضع قدمه الأولى على طريق التزكية الحقيقية.

كما أن التزكية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات الإنسانية، فالإنسان لا يزكو في فراغ. اختيار من نُصغي إليهم، ومن نسمح لهم بالاقتراب من عالمنا الداخلي، له أثر بالغ في نمونا أو تراجعنا. فالعلاقات السامة تُرهق النفس وتشوّهها، بينما العلاقات الصحية تُعين على الاتزان وتدعم رحلة التزكية.

وفي النهاية، التزكية ليست محطة وصول، بل رحلة مستمرة تحتاج إلى صبر، ومجاهدة، ورحمة بالذات. هي قرار يومي بأن نكون أفضل مما كنا عليه بالأمس، لا كمالًا مُرهقًا، بل وعيًا صادقًا ونية صالحة. فمن زكّى نفسه، لم يفعل ذلك هربًا من ضعفه، بل احترامًا لإنسانيته وسعيًا لسلامه الداخلي.