بقلم/ يحيى القطب
«من أنت؟»… السؤال العميق الذي زلزلت به السندريلا أرجاء حسين فهمي في فيلم خلي بالك من زوزو، حتى إنه لم يجد له جوابًا إلا أن يسمح لها باقتحام قلبه بلا استئذان. سؤال يبدو بسيطًا، لكنه حين يُطرح في غير موضعه، يتحوّل إلى كمين.
هذا السؤال نفسه يلاحق الكُتّاب أكثر مما يلاحق أفكارهم. لا يُطرح ليفهم النص، بل ليُحاط به من الخارج؛ من صاحبه، من خلفيته، من دوافعه، من قصته الشخصية. وكأن الكتاب لم يعد كافيًا بذاته، وكأن الفكرة لا تستقيم حتى نعلّقها على صاحبها.
وهنا يبدأ وهم الإعجاب.
ما بين القارئ والكاتب… هو كتابه.
نصٌّ مكتوب، وفكرة معروضة، وجهدٌ مُعلن.
إن أفاد، فقد أدّى غايته.
وإن علّم، فقد قال ما ينبغي أن يُقال.
ومع ذلك، ينشغل بعض القرّاء بسؤالٍ آخر: من أنت؟
لا ليسألوا عمّا كُتب، بل عمّن كتب.
كم عمرك؟ لماذا ظهرت الآن؟ كيف خرجت هذه الأعمال دفعة واحدة؟
وكأن الغزارة تهمة، وكأن التأخر في النشر يستوجب الاعتذار.
قد يظهر كاتب فجأة بمشروع متكامل يرصد تاريخ الزمن، تتنوّع قوالبه وتتشابك أسئلته، فيُظن أن ما قُدِّم اختزالٌ متعجّل، بينما الحقيقة أنه بناءٌ ظلّ يتشكّل طويلًا قبل أن يرى النور. لم تُلقَ الأفكار دفعة واحدة، بل قُدِّم مشروع واحد بوجوه متعددة، وسؤال واحد بصيغ مختلفة.
الخلل هنا ليس في الكتابة، بل في طريقة التلقّي. حين ننشغل بصاحب النص أكثر من النص نفسه، نؤجّل النقاش الحقيقي، ونستبدل القراءة بالتتبّع، ونبحث عن إجابة في غير موضعها.
ليس من العدل أن تُختار الأعمال وتُقرأ بحسب مَن أصحابها، بل أن تُقرأ لما تُقدّمه من فكر ومعنى. وليس من المنطقي أن نطالب الكاتب بالتعريف بنفسه، بينما نصّه قائم أمامنا، واضح، ومفتوح، يقول كل ما لديه.
الكاتب لا يُعرَف إلا من منطقه، من لغته، من الأسئلة التي يتركها معلّقة في ذهن القارئ بعد أن يُغلق الكتاب. أمّا ما عدا ذلك، ففضول لا يضيف فهمًا، وإعجاب لا يصنع معرفة.
لذلك، حين يُطرح سؤال: من أنت؟
فالجواب الأدق ليس سيرة، ولا حكاية، ولا تبريرًا.
الجواب ببساطة:
اقرأ ما كُتب، ودع النص يتكلم.
فما بين القارئ والكاتب… كتاب.






المزيد
إذا صلحَ الاختيار – تغيّرَ المسار
فلسفة الصدق الفني: لماذا يفشل المبدع حين يغترب عن بيئته؟
تكلفة الإنذار المبكر