مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التسامح ليس ضعفًا… ولكن استغلاله خيانة

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

لقد أصبح التسامح في ثقافتنا وقيمنا الاجتماعية قيمة مقدسة؛ نوصي به في المواعظ، ونربّي عليه الأبناء، ونكرره كعلاج سحري لكل جرح: “سامح لترتاح” و*”كن كبيرًا وتجاوز”*.

ولكن قليلًا ما نتوقف لنسأل بشجاعة: هل كل تسامح محمود؟ وهل كل من يطلب السماح يستحق هذه الفرصة؟

إن التسامح في جوهره الأصيل هو مظاهر القوة والتمكن؛ إنه قرار واعٍ يتخذه الإنسان المتزن عاطفياً والنضج نفسياً، فيختار راحة قلبه وسلامه الداخلي على مرارة الانتقام والضغينة.

المتسامح ليس ناسيًا للأذى، بل هو متذكر تماماً لكنه قرر بملء إرادته ألا يسمح للذكرى بأن تقيّده أو تحكم حاضره. هو قادر على الإيذاء ورد الصاع، ولكنه اختار ألا يفعل.

أولاً: لماذا التسامح قوة؟

لأن الأضعف دائمًا هو من ينجر باندفاع إلى رد الإساءة بمثلها، ومن يبقى أسيرًا دائمًا لدائرة الغضب والاستنزاف. أما القوي فهو من يملك القدرة الكاملة على المواجهة، فيختار العفو عن اقتدار.

التسامح يعني أنك أنت من تتحكم في مشاعرك، لا هي التي توجهك وتتحكم فيك. يعني أنك وضعت كرامتك ونفسك في موضع أعلى من أن تُستنزف في خصومات وصراعات لا تنتهي.

كما أنه عملية تحرير واستشفاء للنفس أولًا؛ فعندما تسامح، فإنك تغلق بابًا طالما استنزف طاقتك وتفكيرك، وتمنح نفسك فرصة حقيقية للبدء من جديد.

ثانياً: متى يتحول التسامح إلى خيانة؟

تظهر المشكلة النفسية عندما يتحول تسامحك المتكرر إلى أمر مفروغ منه؛ عندما يصبح “حقًا مكتسبًا” لدى الآخرين.

عندها يتجرد التسامح من كونه فضيلة، ليتحول إلى أداة مجانية للاستغلال.

ويتضح ذلك جلياً في عدة صور:

1. تكرار الخطأ: عندما يخطئ الشخص نفسه في حقك مرارًا، ثم يعود بكلمة “آسف” باردة وهو يعلم يقينًا أنك ستسامح. لقد تعلم الدرس العملي: لا توجد عواقب لأفعاله.

2. قلب الحقائق وتزييف الوعي (\bm{Gaslighting}): أنت المتضرر الحقيقي، ولكنك في النهاية تُساق لتشعر بالذنب: “أنت حساس”، “أنت تبالغ”، “أنت السبب”. فيتحول الجاني إلى ضحية، وتتحول أنت إلى من يعتذر ويبرر.

3. تحويل العطاء إلى واجب دائم: “إنه دائمًا يساعد”، “إنها لا تقول لا أبدًا”. فيصبح بذلك من حقهم أن يطلبوا، ومن حقهم أن يخذلوا، ومن حقهم أن يعودوا للطلب مجددًا. وأنت دورك الوحيد هو الاستيعاب والتسامح بلا حدود.

في هذه اللحظة يحدث نوعان خطيران من الخيانة: خيانتهم لثقتك، وخيانتك أنت لنفسك؛ خيانة لصوتك الداخلي الذي يطالبك بوضع حد، خيانة لحدودك النفسية، وخيانة صريحة لكرامتك.

ثالثاً: الرؤية النفسية للظاهرة

يصف علم النفس هذه الحالة بـ “الاستغلال العاطفي”. المستغل الماهر يعرف جيدًا مواطن ضعفك النفسي؛ يعلم أنك تخشى أن تُوصف بالقسوة أو الأنانية أو جفاء القلب، فيضغط باحترافية على هذا الوتر.

عبارات مثل: “بعد كل ما فعلته من أجلك؟” و*”هل سنقف لبعضنا على كل خطأ؟”* هدفها واحد: إشعارك بالذنب والتأنيب لكي تعود فوراً إلى الدور الذي يريحه، دور المعطاء المتسامح بلا مقابل.

وهناك أيضًا ما يُعرف بـ “متلازمة المنقذ (\bm{Rescuer\ Syndrome})”؛ حيث يستمد الشخص قيمته الذاتية وتعريفه لنفسه من العطاء المفرط وإنقاذ الآخرين، فيستمر في التسامح والتحمل المجهد، ليس حبًا مجردًا في الشخص الآخر، بل خوفًا شديداً من أن يفقد قيمته وهويته إذا توقف عن هذا الدور.

والنتيجة الحتمية هي الاستنزاف النفسي والعصبي الشديد؛ إذ تصل إلى مرحلة تكره فيها ضعفك لأنك عاجز عن كسر هذه الدائرة المفرغة.

رابعاً: كيف نميز بين التسامح والاستسلام؟

 التسامح الحقيقي: يحدث وتكون له ثمرة وأثر؛ يتبعه تغير ملموس في السلوك، واعتذار صادق، وشعور حقيقي بالراحة والسلام في القلب بعده.

 الاستغلال المقنع بثوب التسامح: هو دائرة مغلقة؛ نفس الخطأ، نفس الاعتذار البارد، نفس الألم المكرر. لا يوجد تغير سلوكي ولا احترام للحدود، بل على العكس، كل مرة تسامح فيها يتم اختبار حدودك أكثر لمعرفة مدى قدرتك على التحمل.

تذكر دائمًا هذه القاعدة النفسية البسيطة: التسامح يجب أن يريحك أنت بداخل نفسك. فإذا كان هو مصدر تعبك واستنزافك، فاعلم أنه لم يعد تسامحًا، بل استسلاماً وهواناً.

خامساً: كيف نحمي أنفسنا ونرسم الحدود؟

1. وضع الحدود النفسية الصارمة: الحدود ليست قسوة أو جفاء، بل هي أعلى درجات الاحترام للذات. من حقك أن تقول بوضوح: “سامحت مرة واثنتين، وهذه هي المرة الأخيرة”. من حقك أن تقول: “هذا الأمر آذاني ولن أتجاوزه الآن”.

2. التوقف عن جلد الذات: ليس كل خذلان أو تفسخ علاقة تكون أنت سببه. اسأل نفسك بصدق: “هل كنت لأنصح صديقي المقرب بأن يتحمل ويسامح في هذا الموقف؟” إن كانت الإجابة لا، فلا تفعل بنفسك ما لا ترضاه لأحب الناس إليك.

3. الحكم على الأفعال لا الأقوال المعسولة: النادم حقًا يظهر ندمه وتغييره في سلوكه وفعله. أما المستغل فيكتفي بدور الضحية والكلام المعسول بلا أي تغيير حقيقي على أرض الواقع.

4. امتلاك شجاعة كلمة “لا”: “لا أستطيع”، “لا يناسبني هذا”، “أحتاج للابتعاد”. هذه الكلمة هي السور المتين الذي يحمي حديقة قلبك وصحتك النفسية.

5. الانسحاب الراق بكرامة: لا يشترط أن يكون الانسحاب مصحوباً بصراع ودراما؛ أحيانًا يكون أرقى رد هو الصمت والابتعاد الهادئ. فالبعد ليس أنانية، بل هو اختيارك لنفسك أخيرًا بعد طول استنزاف.

خاتمة ورسالة:

سامح… سامح من أجل سلامك الداخلي أولاً لا من أجلهم. سامح لتنام مرتاح الضمير. سامح عندما ترى أن الطرف الآخر يستحق فرصة ثانية بحق، وأن ندمه صادق ومصحوب بتغيير.

ولكن بمجرد أن تشعر بأن تسامحك أصبح العملة المجانية التي يدفعون بها ثمن خذلانهم المتكرر، توقف فوراً.

وبمجرد أن ترى أنهم يعتبرون وجعك “أمرًا طبيعيًا ومن حقهم” لأنك “دائمًا تتجاوز وتسامح”، توقف بلا تردد.

لأن التسامح الذي يأتي على حساب كرامتك وصحتك النفسية واستقرارك الذهني لم يعد فضيلة أخلاقية… بل أصبح خيانة صريحة ترتكبها في حق أهم شخص في حياتك: نفسك.

وأنت تستحق دائمًا من يصون تسامحك ويقدر قيمته، لا من يستغله وينتقص منه.