مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فرحة وصول بعد كد بقلم بلال حسان الحمداني

فرحة وصول بعد كد
بلال حسان الحمداني
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، الذي أول ما أُنزل إليه في محكم البيان والتنزيل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، أما بعد:
فاليوم أطوي صفحةً كانت الأصعب في حياتي، والتي ارتشفتُ بها مُرّ العذاب بتسلمي شهادتي في جامعة سلجوق، كلية الآداب، فرع اللغة العربية وآدابها. ربما أبالغ في هذه المناسبة ويعانقني فخر عظيم، وهي ليست مجرد ورقة فحسب ربما سيحصل عليها كل من ولج الجامعة، لكن لمن عرفني وعرف العثرات التي اعترتني، والظروف التي كانت تجأر لي أن حلمك بعيد المنال، ولا سيما بعد ملمّتي الأخيرة؛يعلم مقدار فرحتي وأني أراها انتصارا ملحميا، غير أن إيماني بربي أولاً، ومن ثم بنفسي، وإصراري المستميت، وكبرياء العربي، جعلني أغامر هذه المغامرة المجنونة، وأحيا في ظلال الخوف والقلق، وأسير الطرقات المحفوفة بالمخاطر والتي دَميت قدماي في السير بها. وكم من مرات نجّاني الله بها وأنقذني فيها، وكم من مرة كنت قاب قوسين أو أدنى من أن أعود إلى نقطة الصفر، وكان يُخيّل لي أن أُرمى إلى بلادي وأعود بخُفّي حُنين، لكن لطف الله كان أكبر.
ويعلم الله كم من أناس عارضوا أن أخطو هذه الخطوة المجنونة وراهنوا على فشلي، لكن اليقين الذي زرعه الله في قلبي كان أكبر. ودعوات الوالدة التي كانت تقول لي: “لساني يلهج بالدعاء لك ليل نهار”، ووالدي أيضاً الذي كان يناجي الله لأجلي من رحاب بيت الله، وجُلّ أقربائي وأحبائي وأصدقائي الذين آمنوا بي وما برحوا يبثّون الثقة بي ويصبّرونني، ولا سيما منهم سكان البيت الجميل الذي أقطن معهم واحتووني في فترة لم أكن أجد مكاناً لنفسي.
فلله تبدّل الأحوال! فمن سجن الجسد في عام 2022 في أول فصل لي في الجامعة، إلى أسر الروح والقلب حينما تحرر جسدي، إلى نفيي خارج البلاد أواخر هذا الشهر من عام 2024، وإلى خوضي هذه المغامرة المغلّفة بالخوف والتعب والديون التي غلّلت عنقي؛ فوثبتُ بكل ما فيّ متحدياً كل ما كان. وسهرت الليالي بين ضجيج المعامل متحملاً سوء معاملة أرباب العمل، وصباحاً أصبح في رحاب الجامعة، حتى عزّ عليّ النوم، ونَحُلَ جسدي، ونفدت عصارة روحي.
أما الآن فقد تلاشى كل ما كان من شقاء ووصب ونصب، فممتنّ لتلك الفترة التي صقلتني، أنضجتني، صنعتني، وعلمتني الصبر والتجلّد وألا أجلس وأندب حظي العاثر، بل أتوفّز بكل طاقاتي لأغيّره وأثبت لنفسي وللجميع أني قادر بإذن الله. وأخيراً تعانقني نشوة الظفر، وهذه الكرتونة ما هي شهادة فحسب، بل انتصاراً على الظلم والغدر، وعلى الواشين الذين وشوا بي وقلَبوا حياتي رأساً على عقب بعد أن كنت في أحسن حال. وما ضرّني إن كنت في الخطوب التي توالت أعود إلى نقطة الصفر، ولكن نهضت. ورغم الضغوطات ووو.. إلا أنني لم أسعَ فقط للجامعة، ولم أكتفِ بمقرراتها، ولم يكن حلمي يتوقف عندها، بل جاهدت أن أستغل كل لحظة؛ فقرأت عشرات الكتب، وسمعت مئات المحاضرات، ووُلِدَت لي رواية، واستمريت في الكتابة، وسيصدر لي عما قريب إن شاء الله ثلاثية، الآن في صدد كتابة الجزء الثالث منها، والله الموفق.
كلماتي عصيّة عن الشكر للوالدين والإخوة، وجُلّ الأقرباء والأصدقاء ودكاترتي الذين كانوا السند لي والداعمين والمحفزين، فلهم مني الوفاء ما حييت.
والآن بضعة أشهر إن شاء الله تفصلني عن العودة إلى بلادي، التي ما ودّعتها كرهاً بها ولا خِيفةً من نيران حروبها التي اصطلَت بها، لكن لأجل أن أتسلح بالعلم فحسب، وأن أعود إليها بهذه الشهادة كي أعيش خادماً لها وأهبها كلي.
فيشرفني أن أكون جندياً وفياً لهذه البلاد التي تكوّنت بها أبجديتي الأولى، ولهذه اللغة الشريفة التي أنطقنا الله بها، وأن أعيش حياتي خادماً لها منافحاً عنها؛ فهي حبيبتي التي لا أنفك عنها ولا تنفك عني، والتي حبها خالط دمي وسرى بكل جوانحي. وهي التي علمتني الحزم، والعزم، والإباء، والعنفوان، والعزة، والكرامة، والأنفة، وعلمتني الحب والوفاء والبر. ولم أسعد بشيء في حياتي كما سعدت بها؛ بشعرها، ونثرها، ونحوها، وصرفها، وبلاغتها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قونيا 29/7/2026