مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الترجمة الدقيقة للمجاعة

Img 20250519 Wa0037

 

كتبت سارة أسامة النجار

 

المجاعة ليست مجرد كلمة تُسمع، بل صدى يتردد في الأعماق، يطرق أبواب الوجدان بصمتٍ مدوٍّ وسط صخب عالمٍ منشغلٍ عن المعاني التي تختبئ وراء المفردات.

لذا، سأفكك جدائل هذه الكلمة، لا وفق معاجم النحو أو القواميس، بل عبر لغة الإنسانية وحدها ، وسأطلب منك أن تنتبه جيدًا؛ فنحن على وشك تفسير معنى المجاعة في غزة.

 

المجاعة: ملامحها محفورة كحروفها

 

ال التعريف قمرية تتسلل لداخل الكلمة بلا صوت، تٌضيء قتامة المعاني دون أن تدفن باطنها، تبقى ظاهرةكالنور وواضحة مثل الحقيقة، التي تعكس تسلل المجاعة إلى غزة كما تتسلل العتمة إلى النهار، لا تخفي نفسها ولا تتوارى، بل تبقى بارزةً ، تُعلن وجودها بلا مواربة، مثل “ل القمرية” التي لا تخفي أثرها في الكلمات، فتظل شفافة تُسمَع وتُرى دون أن تذوب في حروفها.

كما أنها أنمزجت مع الكلمة لترفع لواء الشمولية لبطون شعب معرف ومعروف دون أدوات لغوية.

 

الميم مكبوتة بصمتٍ يشبه موت الضمير، أمام موائد الغزيين المفقودة ، حيث يمنع مرور حبة قمح لتخرس صوت القحط الذي تفشى بلا رحمة، جائعٌ لا يميز بين الصغير والكبير ، رغم أن الميم ساكنة، صامتة، مصدومة بما يجري.

 

الجيم جارية في جنازة جوف جاف وجائع ، في ظل جبروت جسيم ، يجبر الناس على البحث عن جرعة حياة بين جيوب القمامة. أي جريمةٍ جارت على الإنسانية حتى جبنت عن مواجهتها؟ إن هذه الجيم الجهرية ترفض الخروج من الفم، لأنها تعلم أن جلالة الطعام لا تجد طريقها إليه ، بينما البشر على وشك الانفجار مثل الجيم الانفجارية التي تجهر للعالم بجوع جارحٍ للحياة.

 

الألف ممدودة في قلب الكلمة، كراية نجدة للأمعاء الخاوية والأواني الفارغة ، وللأمراض التي تنهش الأجساد المنهكة بالجوع. ألفٌ ألفت الألم وهو يتسكع بين الخيام، ينتزع الأرواح من أمنها، ويقتل قوت الحمام ، بينما أسوار الحصار ابتلعت سبل النجاة.

 

العين عمياء عالمية ، لا ترى عري معداتنا ، لا تشعر بجفاف ريقنا ، و عرجاء عاجزة عن عون مليوني معدة في القطاع المقطع. عبث الدمار بمعايير الأرض، فبرزت عنجهية الظلم لتكسر حلم طفلٍ بالشبع ، وظلت العين تخرج من وسط الحلق الذي لا يدخله كسرة خبز.

 

التاء المربوطة تحت وطأة التضور ، تكسي الوجوه هزالًا وهمًّا ، وتثقل كاهل أبٍ تأبى الظروف أن تنصفه ليطعم ذويه. تاءٌ تنهي الكلمة، لكنها لا تنهي سيل الجوع ، ولا توقف الأنين المختنق في الحناجر ، وكأنها تقول إن الواقع أقسى من صيغ البلاغة والمبالغة.

 

لا تفسير يكفي لوصف هذا الجو

لا معنى ولا تراجم تشرح إحساس الجوع الذي نعيشه منذ أشهر، نصوم دون سحورٍ ولا إفطار ، ونبتلع فقط علقم أوجاعنا ، بينما العالم يراقب دون أن يمد يد الحياة.