مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

“اتحاد الناشرين المصريين بين جيل يريد التطوير… وعقلية تخشى التغيير”

بقلم: وليد عاطف

 لم تعد أزمة اتحاد الناشرين المصريين مجرد أزمة خدمات أو معارض أو شحن أو إجراءات تنظيمية، بل أصبحت أزمة فكر حقيقية.
أزمة بين جيل جديد يرى العالم يتغير بسرعة هائلة، ويريد أن تتحرك صناعة النشر معه، وبين عقلية لا تزال تدير المشهد بنفس الأدوات القديمة، وكأن السوق لم يتغير، وكأن الناشرين لم تتغير مشاكلهم، وكأن العالم ما زال يتحرك بنفس إيقاع الأمس.
الحقيقة الصادمة أن كثيرًا من الناشرين الشباب لم يعودوا يشعرون أن الاتحاد يشبههم أصلًا.
لا يشبه طموحاتهم، ولا لغتهم، ولا رؤيتهم للسوق، ولا حتى طبيعة المعارك التي يخوضونها يوميًا من أجل البقاء.
الناشر الشاب اليوم لا يعيش فقط أزمة ورق وطباعة، بل يعيش داخل سوق شرس:
▪️ منافسة رقمية ضخمة.
▪️ بيع إلكتروني متطور.
▪️ تسويق يعتمد على البيانات.
▪️ ذكاء اصطناعي يغيّر شكل المحتوى.
▪️ قارئ جديد يختلف تمامًا عن أجيال سابقة.
▪️ ومنصات عالمية تتحرك أسرع من أي مؤسسات تقليدية.
لكن رغم كل هذا، لا يزال جزء من إدارة المشهد يتعامل مع صناعة النشر بعقلية “الروتين الإداري”، لا بعقلية صناعة تواجه خطر التراجع الحقيقي.
وهنا ظهرت الأزمة الأكبر:
الخوف من التغيير.
في كل مرة تُطرح أفكار جديدة، يظهر التردد.
في كل مرة يقترب الشباب من دوائر القرار، تبدأ الحسابات القديمة.
في كل مرة يُفتح الحديث عن التطوير الحقيقي، يتحول الأمر إلى شعارات عامة بلا خطوات واضحة.
وكأن البعض يخشى أن يؤدي دخول جيل جديد إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها.
لكن الحقيقة أن اللعبة تغيّرت بالفعل… سواء اعترف البعض بذلك أم لا.
العالم لم يعد ينتظر المؤسسات البطيئة.
وصناعة النشر تحديدًا أصبحت واحدة من أكثر الصناعات احتياجًا للعقول المرنة والسريعة والقادرة على التكيف.
بينما لا يزال كثير من الناشرين يشعرون أن الاتحاد يتحرك بعقلية رد الفعل، لا بعقلية التخطيط والقيادة.
أخطر ما حدث خلال السنوات الأخيرة، أن عددًا كبيرًا من الناشرين الشباب بدأوا يفقدون الإيمان بفكرة المشاركة نفسها.
بعضهم يرى أن النتائج محسومة مسبقًا، وبعضهم يشعر أن الأصوات الجديدة لا تجد مساحة حقيقية، والبعض الآخر أصبح مقتنعًا أن الاتحاد لا يسمع إلا الدوائر التقليدية المعتادة.
وهنا تكمن الكارثة.
لأن أي مؤسسة مهنية حين تبدأ في خسارة الجيل الجديد، فهي لا تخسر أفرادًا فقط… بل تخسر المستقبل كله.
صناعة النشر لن تُدار للأبد بنفس العقليات، لأن السوق نفسه لم يعد كما كان.
اليوم هناك ناشرون شباب استطاعوا خلال سنوات قليلة أن يصنعوا تأثيرًا ضخمًا عبر أدوات حديثة لم تكن موجودة أصلًا قبل سنوات:
▪️ التسويق الرقمي.
▪️ التجارة الإلكترونية.
▪️ صناعة البراند.
▪️ المحتوى التفاعلي.
▪️ الذكاء الاصطناعي.
▪️ وتحليل سلوك القارئ.
وهؤلاء لا يريدون مقاعد شرفية أو وجودًا شكليًا داخل المشهد، بل يريدون أن يكونوا جزءًا من القرار الحقيقي.
انتخابات اتحاد الناشرين المصريين اليوم لم تعد مجرد منافسة انتخابية عادية، بل أصبحت مواجهة واضحة بين فكرين:
فكر يرى أن الأمور يمكن أن تستمر كما هي.
وفكر يعرف أن استمرار الوضع الحالي يعني مزيدًا من التراجع وفقدان التأثير.
ولهذا فإن مسؤولية الناشرين الشباب ودور النشر الحديثة أصبحت أكبر من مجرد التعليق أو الانتقاد من بعيد.
إذا أرادوا تغيير المشهد فعلًا، فعليهم النزول والمشاركة والتصويت وفرض وجودهم داخل الجمعية العمومية.
لأن ترك الساحة فارغة يعني ببساطة إعادة إنتاج نفس المشهد مرة أخرى.
الاتحاد يحتاج اليوم إلى صدمة تطوير حقيقية، لا إلى تجميل مؤقت.
يحتاج إلى عقول تفكر في الاقتصاد الرقمي، والتوسع، والتسويق الحديث، وحماية الصناعة، لا فقط إدارة الملفات التقليدية.
كما يحتاج إلى إعادة بناء الثقة مع الناشرين، لأن أخطر ما قد يحدث لأي اتحاد.. أن يشعر أعضاؤه أنه لم يعد يمثلهم، وأنه أصبح بعيدًا عن واقعهم الحقيقي.
المرحلة القادمة لن تُحسم بالشعارات، بل بمن يملك رؤية وقدرة على التحرك.
والسؤال الأهم الآن:
هل يملك اتحاد الناشرين المصريين الشجاعة لفتح الباب أمام جيل يريد التطوير فعلًا.. أم تستمر عقلية الخوف من التغيير حتى يفقد الاتحاد دوره وتأثيره تدريجيًا؟!