الذكاء الاصطناعي ليس غشاً، إنه اختبار جديد للذكاء الحقيقي
بقلم: المهيري بنعيسى
كلما ظهرت أداة جديدة تغير طريقة عمل البشر، يظهر من يقول إنها “تغشيش” أو “كسل” أو “هدم للإبداع”. كان هذا عندما ظهرت الآلة الحاسبة، قال معلمو الرياضيات: الطلاب لن يعودوا يعرفون كيف يحسبون بأدمغتهم! وكان هذا عندما ظهر الإنترنت، قال أساتذة الجامعات: البحث التقليدي سيموت! واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، نسمع نفس الأصوات: “من يستخدم ChatGPT ليس كاتباً حقيقياً”، “من يعتمد على الذكاء الاصطناعي في البحث ليس عالماً”، “هذا يقتل الإبداع البشري”.
لكن دعني أخبرك حقيقة بسيطة: أولئك الذين يرددون هذه المقولات يخلطون بين “استخدام الأداة” و”الاعتماد الأعمى عليها”. الفرق شاسع، وأكبر دليل عليه أن من يستطيع الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي هم العباقرة، وليس الكسالى. نعم، لقد قرأت ذلك بشكل صحيح: الذكاء الاصطناعي لا يصنع الغبي ذكياً، بل يصنع الذكي أذكى. وهو لا يحول الكاتب الكسول إلى روائي، بل يحول الكاتب المبدع إلى كاتب أسرع وأكثر دقة.
دعني أضرب لك مثلاً بسيطاً: لو أعطيت آلة حاسبة لطفل في الصف الأول لا يعرف الجمع والطرح، فهل سيحل مسائل الرياضيات؟ لا. لأنه لا يعرف ما الذي يجب أن يدخله في الآلة، ولا يعرف كيف يقرأ النتيجة، ولا يستطيع أن يكتشف إذا كانت النتيجة صحيحة أم خاطئة. نفس الشيء تماماً مع الذكاء الاصطناعي. من لا يملك ذكاءً حقيقياً، أو ثقافة، أو قدرة على التحليل والنقد، لن يستفيد من الذكاء الاصطناعي سوى نتائج سطحية، بل ربما خاطئة. أما من يملك عقلاً كبيراً، فيستخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد ذكي له، لا كبديل عنه. هو من يصوغ الأسئلة الصحيحة، وهو من يختار أفضل الإجابات، وهو من ينقح النتائج، وهو من يضيف إليها لمسته الخاصة وتجربته الفريدة.
الذكاء الاصطناعي اليوم يشبه إلى حد كبير محرك البحث العملاق، لكنه أكثر ذكاءً وتفاعلاً. هل كان من الخطأ استعمال جوجل في البحث العلمي قبل عشرين سنة؟ بالطبع لا. لكنه كان يتطلب من الباحث أن يعرف ماذا يبحث، وأين يبحث، وكيف ينقي النتائج، وكيف يوثق المصادر. ونفس الشيء اليوم مع الذكاء الاصطناعي: يتطلب مهارات أعلى، وليس أقل. فأنت عندما تطلب من ChatGPT أن يكتب لك بحثاً عن أي موضوع، ستحصل على نص جميل ظاهرياً، لكنه قد يكون مليئاً بالأخطاء والمعلومات الوهمية إذا لم تكن أنت خبيراً في المجال وتستطيع تمييز الصحيح من الخطأ.
علمياً، ما يفعله الكاتب أو الباحث أو العالم حين يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل صحيح هو ما يسمى في علم النفس بـ”الذكاء الموسع” أو Extended Intelligence. الفكرة أن العصر الذي كان الإنسان فيه يفكر بمفرده قد انتهى. اليوم، الإنسان الناجح هو من يستطيع أن يدمج عقله مع الأدوات المتاحة ليصل إلى نتائج أفضل وأسرع. كما أن الطيار لا يعتبر “غشاشاً” لأنه يستخدم الطيار الآلي، بل يعتبر محترفاً لأنه يعرف متى يفعله ومتى يلغيه. وكما أن الجراح لا يعتبر “كسلاناً” لأنه يستخدم الروبوت الجراحي، بل يعتبر متطوراً لأنه يتقن استخدام أحدث ما وصل إليه الطب.
الكتابة الحقيقية لم تكن يوماً مجرد تجميع جمل، بل كانت دائماً فكرة، ورؤية، وأسلوب، وتجربة شخصية، وصوت فريد. الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يمنحك صوتك الخاص، ولا يستطيع أن يخبرك عن تجاربك التي عشتها وحدك، ولا يستطيع أن يكتب عن ألم عشته أو فرحة جربتها. لكنه يمكنه أن ينظم أفكارك، ويقترح عليك صياغات أفضل، ويساعدك في البحث عن معلومات، ويرتب لك مسودتك الأولى. كل هذا يجعلك أكثر إبداعاً، لأنه يختصر عليك الوقت الذي كنت ستهدره في الأعمال الروتينية، ويترك لك وقتاً أطول للتفكير العميق والإبداع الحقيقي.
الذي يخافون من الذكاء الاصطناعي هم في الغالب الذين يخافون من كل جديد، أو الذين لا يملكون المهارات الكافية لاستخدامه بذكاء. وكما قال أحد الحكماء: “ليس العيب في الأداة، العيب فيمن لا يحسن استخدامها”. يمكنك أن تستخدم المطرقة في بناء منزل، ويمكنك أن تستخدمها لكسر نافذة. الأداة واحدة، لكن النية والمهارة هما الفرق. ونفس الشيء مع الذكاء الاصطناعي: يمكنك أن تستخدمه لتكتب مقالاً قيماً يعبر عن رؤيتك الخاصة، ويمكنك أن تطلب منه أن يكتب لك أي شيء ثم تنسخه وتلصقه باسمك. الفرق بينهما ليس في الذكاء الاصطناعي، بل في أخلاقك وذكائك أنت.
لذلك، لا تسمع لمن يقول لك: الذكاء الاصطناعي يقتل الإبداع. لأن التاريخ يعلمنا أن كل تقنية جديدة بدأت بالرفض ثم انتهت بالتبني. وما كان في البداية “غشاً” يصبح بعد سنوات “مهارة أساسية”. وسيأتي يوم قريب، ربما بعد خمس سنوات فقط، وسيكون السؤال الذي يطرح على كل كاتب وباحث: “كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي في عملك؟” ومن لا يجيد الإجابة سيكون خارج المنافسة، ليس لأن الذكاء الاصطناعي جعله أقل كفاءة، بل لأنه رفض أن يتعلم بينما تعلم الآخرون.
النبي ﷺ قال: “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها”. والذكاء الاصطناعي اليوم، في جوهره، هو أداة تجمع الحكمة البشرية وتقدمها لك. فإذا كنت مؤمناً حقاً بأهمية العلم والإبداع، فأنت أحق الناس باستخدام هذه الأداة، وأحرى الناس بتطويعها لخدمة الخير والمعرفة، وأولى الناس بتعلمها واستثمارها لإنتاج ما ينفع الناس.
أما من يقول إن استعمال الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الفكري والعلمي “خطأ”، فأظن أنهم لم يفهموا بعد أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الذكاء البشري، بل هو مرآة تعكس ذكاءك الحقيقي. فإذا كنت غبياً، ستحصل على نتائج غبية. وإذا كنت عبقرياً، فستصنع به العجائب. ليس العيب في الآلة، العيب فيمن لا يعرف كيف يستخدمها. وليس الذكاء في رفض الجديد، الذكاء في امتطاء الموجة الجديدة بتوازن وحكمة.
المهيري بنعيسى






المزيد
اتحاد أقوى/ يبدأ بعقل يفهم التغيير/ بقلم/ الكاتبة/ سعاد الصادق
“اتحاد الناشرين المصريين بين جيل يريد التطوير… وعقلية تخشى التغيير”
باتمان المصري… حين تتحول البلطجة إلى إعلان ممول!