مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

باتمان المصري… حين تتحول البلطجة إلى إعلان ممول!

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث) 

منذ سنوات طويلة، عرفت المجتمعات الشعبية نموذج “الفتوّة”؛ ذلك الرجل القوي الذي يفرض حضوره بالقوة، ويحتمي به البعض خوفًا أو طمعًا أو طلبًا للحماية.
وقد صوّر الأديب الكبير نجيب محفوظ هذه الظاهرة ببراعة شديدة، لا باعتبارها بطولة خالصة، بل باعتبارها دائرة اجتماعية خطيرة:
مظلوم يتحول إلى قوي، ثم يتحول القوي إلى طاغية جديد، ثم يظهر من يثور عليه… وتستمر الدائرة.
لكن ما كان يُروى قديمًا في الحارات والمقاهي، أو يُقدَّم داخل رواية أدبية تكشف تناقضات المجتمع، أصبح اليوم يُعرض علينا في هيئة فيديوهات قصيرة على تيك توك، مصحوبة بالموسيقى الحماسية وصور “الجدع الشهم” الذي “يأخذ الحق بيده”.
في أحد هذه الفيديوهات، يظهر شخص، يقدّم نفسه بصورة أقرب إلى “باتمان شعبي” بنكهة مصرية؛ امرأة تشكو من جار اعتدى عليها وعلى ابنها، والشرطة لم تتمكن من الإمساك به، فيتحرك الرجل مع “رجاله” للبحث عن المعتدي والقبض عليه وتأديبه واسترداد الحق!
قد يصفق البعض لهذا المشهد باعتباره “شهامة”، لكن السؤال الأخطر هو: ماذا يعني أن يتحول هذا النموذج إلى إعلان خدمات علني؟
نحن هنا لا نتحدث عن مسلسل درامي أو رواية خيالية، بل عن تسويق مباشر لفكرة خطيرة للغاية:
أن هناك أفرادًا يملكون سلطة موازية للقانون، قادرين على تعقب الناس والقبض عليهم وتأديبهم خارج أي إطار قانوني.
وهذه ليست “جدعنة”، بل وصفة جاهزة للفوضى.
لقد قدمت الدراما الشعبية الحديثة، خاصة بعض الأعمال التي تقوم على صورة “البطل الخشن”، نموذج البطل الشعبي، الملاكم القوي، الذي يحل كل شيء بالقبضة والهيبة والرجال والسيارات السوداء والصوت المرتفع.
ومع الوقت، لم يعد بعض الناس يفرقون بين الدراما والواقع؛ فتحولت الشخصية التلفزيونية إلى نموذج اجتماعي قابل للتطبيق.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية!
لأن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتآكل حين تصبح القوة البدنية بديلًا عن القانون، وحين تتحول “الهيبة” من قيمة أخلاقية أو معرفية إلى قدرة على التخويف والاستعراض.
ربما كانت مثل هذه الممارسات تحدث في الخفاء قديمًا، وربما وُجد دائمًا من “يُسلَّط” على خصوم الناس مقابل المال أو النفوذ، لكن الفرق اليوم أن الأمر لم يعد يُخفى، بل يُقدَّم في صورة بطولية جذابة، ويُسوَّق علنًا على منصات يشاهدها ملايين الشباب والمراهقين، بل وتطبع الكتب لشرح عقلية وشهامة هذا البطل المغوار الذي يتصف المظلوم…
هنا ينبغي أن نتوقف طويلًا!
لأن تطبيع هذه الظاهرة أخطر من الظاهرة نفسها.
فالطفل الذي يشاهد هذه المقاطع يوميًا، قد يكبر وهو يعتقد أن العدالة الحقيقية لا تأتي من المحكمة، بل من “الرجل القوي”.
والشاب الذي يفقد ثقته بالقانون قد يبدأ بالبحث عن “فتوة حديث” يحل له مشكلاته.
ومع الوقت، تتحول الدولة نفسها — في وعي بعض الناس — إلى مجرد خيار بطيء، بينما يصبح “البلطجي المهذب” هو الطريق الأسرع.
هذه ليست بطولة… بل بداية انحدار اجتماعي خطير.
ولذلك فإن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالصراخ فقط، بل بإعادة الاعتبار لفكرة القانون، وفضح التناقض الكامن داخل صورة “البطل الشعبي العنيف”، قبل أن تتحول الفوضى إلى ثقافة عامة، وقبل أن يصبح كل حيٍّ في انتظار “باتمانه الخاص”.
لقد فهم نجيب محفوظ مبكرًا أن الفتوة مهما بدا شهمًا، فإن المجتمع الذي يحتاج إلى الفتوات باستمرار هو مجتمع مريض في الأصل.
واليوم، بعد عقود طويلة، يبدو أن بعض الناس لم يقرأوا الرسالة جيدًا.
ولا عجب…
فكلمات العباقرة كالذهب، لا ينطفئ بريقها مهما مرّ الزمن.