مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحب فى زمن الإشعارات بقلم الكاتب هانى الميهى

الحب فى زمن الإشعارات
الكاتب هانى الميهى

السر
الفصل العاشر
لم يصبح الحب أقل حضورًا فى عصر الاتصال؛ لكنه أصبح أكثر عرضةً لسوء الفهم، لأن الإنسان صار يقرأ الرسالة أكثر مما يقرأ الإنسان الذى أرسلها.


لم يعد انتظار الحبيب كما كان.

لم تعد الرسالة تحتاج إلى أيام حتى تصل، ولا تحتاج المشاعر إلى طريق طويل كى تجد طريقها إلى الطرف الآخر.

يكفى أن تكتب.

ثم تنتظر.

ثوانٍ.

دقيقة.

خمس دقائق.

ثم تبدأ الأسئلة.

لماذا لم يرد؟

هل رأى الرسالة؟

هل تجاهلنى؟

هل تغير؟

هل أصبح وجودى أقل أهمية؟

وهكذا…

تحول الحب، شيئًا فشيئًا، إلى مراقبة.


أصبحنا نقرأ العلاقات من خلال علامات صغيرة.

آخر ظهور.

وقت القراءة.

سرعة الرد.

عدد الكلمات.

نبرة الجملة.

حتى النقطة فى نهاية الرسالة أصبحت قادرة على إشعال خصام طويل.

لم نعد نكتفى بما يقوله الإنسان.

بل أصبحنا نبحث عما وراء ما قاله، ثم نبنى على ظنوننا أحكامًا كاملة.

وهنا تبدأ المشكلة.

لأن الشاشة لا تنقل الإنسان كله.

تنقل كلماته فقط.

أما صمته، وتعبه، ونظرة عينيه، ونبرة صوته، والظروف التى أحاطت بلحظته…

فكلها تبقى خارج الإطار.


قد يكتب لك شخص:

“أنا بخير.”

وتظن أنه بخير.

وقد يقول:

“لا شىء.”

فتغضب لأنه لم يخبرك.

لكن ربما كان يجلس أمام شاشة مضيئة، يحاول أن يجد الكلمات التى لا يستطيع كتابتها.

الحب الحقيقى لا يعيش على الكلمات وحدها.

إنه يعيش فى التفاصيل التى لا تستطيع الشاشة نقلها.


أصبحنا نطلب من الإنسان أن يكون حاضرًا دائمًا.

أن يرد بسرعة.

أن يطمئننا باستمرار.

أن يشرح كل غياب.

أن يبرر كل صمت.

وكأن الحب تحول إلى نظام مراقبة متبادل.

إذا تأخر أحدهما قليلًا…

بدأ الآخر فى بناء الاحتمالات.

وإذا تغير أسلوب الرسائل…

بدأ البحث عن سبب.

ثم يتحول الخوف إلى شك.

والشك إلى عتاب.

والعتاب إلى مسافة.

وقد تنتهى علاقة جميلة…

ليس لأن الحب انتهى، بل لأن الخوف أفسد طريقة التعبير عنه.


هناك شيء آخر تغير.

لقد أصبح من السهل أن نكون قريبين من شخص بعيد…

ومن السهل أيضًا أن نكون بعيدين عن شخص قريب.

قد يقضي اثنان ساعات يتبادلان الرسائل، ثم يجلسان معًا فلا يجدان ما يقولانه.

وقد ينام أحدهما بجوار الآخر، بينما يعيش كل واحد منهما فى عالم منفصل.

وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى:

الاتصال لا يضمن القرب.

قد تكون الشاشة بين قلبين جسرًا…

وقد تكون جدارًا.

والفارق ليس فى الجهاز.

بل فى الإنسان الذى يستخدمه.


الحب يحتاج إلى مساحة لا تصلها الإشعارات.

يحتاج إلى نظرة لا تُكتب.

إلى صمت لا يُفسر.

إلى جلسة لا يُمسك فيها أحد الهاتف كل دقيقة.

يحتاج إلى أن يرى الإنسان الآخر كما هو، لا كما يظهر فى صورة مختارة بعناية.

فالحب لا يقع بين حسابين.

الحب يحدث بين إنسانين.


وربما أجمل ما يمكن أن يحدث فى علاقة اليوم…

أن يضع شخص هاتفه جانبًا، وينظر إلى من أمامه، ويقول له دون أن ينطق:

أنا هنا.

ليست كلمة كبيرة.

لكنها أصبحت نادرة.


لا أظن أن التكنولوجيا قتلت الحب.

هذا تبسيط شديد.

الحب أقدم وأقوى من أى تقنية.

لكن التكنولوجيا كشفت هشاشة الإنسان أمام الانتظار، وكشفت حاجته إلى الطمأنينة، وكشفت كذلك مقدار ما يمكن أن يفعله سوء الفهم حين يصبح التواصل أسرع من النضج.

لذلك ربما لا يحتاج الحب الحديث إلى مزيد من الرسائل.

بل إلى مزيد من الحضور.

إلى أن نتعلم مرة أخرى أن الإنسان ليس شاشة مضيئة، ولا علامة ظهور، ولا وقت قراءة.

إنه قلب كامل…

لا يمكن اختصاره فى إشعار.


رسالة الفصل

الحب لا يحتاج إلى اتصال دائم، بل إلى يقين هادئ بأن الغياب المؤقت لا يعنى غياب القلب.

تمهيد الفصل الحادى عشر

وإذا كان الكبار قد تعلموا الاتصال بعد أن عرفوا الحياة بعيدًا عنه… فماذا يحدث للطفل الذى يولد اليوم والشاشة أمامه منذ اللحظة الأولى؟

meritking   starzbet   jojobet   jojobet   meritking   starzbet   starzbet   mariobet   mariobet   mariobet   meritking   meritking   meritking   grandpashabet   meritking   meritkin   meritking   grandpashabet   meritking   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet