اعداد الحوار: الطاهر عبد المحسن ابراهيم
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتزاحم فيه الحروف، يظل هناك من يكتب ليمنحنا لحظة صدقٍ وسط ضجيج العالم.
“سما محمد”واحدة من تلك الأقلام التي تكتب لا لتُبهر، بل لتُضيء… تكتب لأنها وُجدت لتكتب.
في هذا الحوار الشفيف، نقترب من عالمها الإبداعي، نلامس دهشة الحرف في تجربتها، ونكتشف كيف تُحوّل المشاعر إلى قصص تنبض بالحياة.
بدايةً، نرحّب بكِ أستاذة سما محمد.. حدّثينا عنكِ كما تحبين أن يعرفكِ القارئ، وعن تلك اللحظة التي شعرتِ فيها أن الكتابة لم تعد خيارًا بل قدرًا.
أهلًا وسهلًا… أنا سما محمد، فتاة آمنت بأن الحرف ليس مجرّد وسيلة للتعبير، بل هو حياةٌ أخرى نولد فيها من جديد. بدأت الكتابة حين شعرتُ بأن قلبي ممتلئٌ بالكثير، ولم أجد مخرجًا أصدق من الورق. في تلك اللحظة، لم يكن القلم اختياري… كان قدري الذي اختارني.
حين تزورك الفكرة الأولى، كيف تتعاملين معها؟ هل تُسلمينها مباشرة إلى الورق، أم تتركينها تتخمّر في الخيال حتى تنضج وتفصح عن نفسها؟
احب ان اترُكها تتخمر واغوص بوحى خيالي بها، فالكتابة بالنسبة لي كلمات ومشاعر احب ان القيها بكل دقة ومشاعر حقيقة.
في لحظات الصمت الطويلة، حين يبتعد الإلهام وتبدو الحروف بعيدة المنال… كيف تستعيدين وهج الكتابة من جديد؟
الحقيقة ان هذه اللحظات ثقيلة علي قلبي، افقد شغفي بالكامل تجاه الكتابة ولكن عندما اتششت والافكار تختفي من عقلي، اتذكر حلمى واننى عاهدت نفسي علي تحقيقه عاهدت نفسي علي اننى سأكون يوماً كاتبة يُضرب بها المثل، حينما اتذكر كل هذا ارُغم نفسي علي التركير وإعادة الإلهام لي من جديد.
القارئ في نظرك… هل هو شاهد على ما تكتبين، أم رفيقٌ يسير معكِ بين السطور ليكمل ما بدأه قلمك؟
من وجهه نظري، اري ان كلهم صحيح ف القارئ شاهد علي أفكاري التى سهرت ليالي حتى اقدمها له بهذا الشكل شاهد علي مشاعري التى اطلقتُها بين السطور، اما فهو بالتاكيد رفيقُ رحلة امسك بيده بين السطور؛ اكتب ليشعر وليكمل من قلبه ما لم اقله بقلمى.
هل ترين نفسكِ ابنة بيئتكِ التي منحتك التجربة والمشاعر الأولى، أم ابنة خيالك الذي وسّع الأفق وحرّر الحرف؟
أنا ابنة خيالي فقط… هناك وُلدت، وهناك كبرت، وهناك تعلمت كيف أحوّل الصمت إلى حكاية. خيالي هو عالمي الحقيقي، فيه أجد نفسي، وأصنع كل ما لا يمنحني الواقع إياه. هو مكاني الآمن، وجناحي الذي لا يخذلني.
الكلمة مسؤوليّة قبل أن تكون إبداعًا… كيف تفهمين دور الكاتبة اليوم في مواجهة الواقع والإنسان؟
أؤمن أن الكلمة ليست مجرد حروفٍ تُقال، بل هي رسالة ومسؤولية كبيرة. الكاتبة الحقيقية ليست من تكتب لتُسمِع، بل من تكتب لتُحدث فرقًا، لتفتح بابًا كان مغلقًا، أو تُضيء زاويةً أطفأها الصمت. في هذا الزمن المليء بالضجيج، تصبح الكلمة موقفًا، وتصبح الحكاية سلاحًا راقيًا في وجه القبح. دور الكاتبة اليوم أن تُنصت جيدًا للعالم، ثم تُعبّر عنه بصدقٍ ووعي، أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، أن تزرع الأمل حتى في أكثر الأماكن ظلمة. الكتابة ليست زينةً للحياة… بل قوة قادرة على تغييرها.
كثيرون يعتقدون أن البداية هي الأصعب، لكن البعض يرى أن الاستمرار هو التحدي الحقيقي… أين تقفين أنتِ بين هذين الرأيين؟
بالنسبة لي… البداية ليست هي الأصعب، بل هي الأجمل، لأنها لحظة الشغف الأولى، الشرارة التي تُشعل كل شيء. التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، حين تنطفئ الحماسة الأولى وتبقى الإرادة وحدها. الاستمرار يعني أن تكتب في أيامك المتعبة، وأن تظل مخلصًا لحلمك حتى عندما يفتر من حولك التصفيق. البداية تُولد الحرف… أما الاستمرار فهو ما يجعله خالدًا.
عندما تكتبين، هل تنطلقين من ذاتك لتفهميها، أم من الآخرين لتلامسيهم؟ وأيّهما يوجّه بوصلتك في الكتابة؟
حين أكتب، لا أنطلق من نقطةٍ واحدة… بل من داخلي ومن العالم معًا. أبدأ من ذاتي، من تلك الزوايا الصغيرة التي لا يراها أحد، من المشاعر التي تضجّ في قلبي ولا أجد لها مخرجًا سوى الحرف. الكتابة بالنسبة لي وسيلة لفهم نفسي، لتهدئة فوضاي، ولملامسة أشياء لا أستطيع قولها بصوتٍ عالٍ، وفي الوقت نفسه، أكتب من أجل الآخرين… لأن الحكايات ليست ملكًا لأحد وحده. أكتب لألمسهم، لأجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم، لأمنحهم مرآة يرون فيها أنفسهم من خلال كلماتي. أنا أؤمن أن الكاتب الحقيقي ليس من يكتب لنفسه فقط، بل من يجعل قلمه جسرًا بين قلبه وقلوب الناس. لذا، بوصلتي دائمًا تميل إلى حيث تلتقي ذاتي مع قلوب من يقرأ… هناك فقط تولد الحكاية الحقيقية.
إلى أي مدى تتسلّل ملامحك الشخصية إلى نصوصك؟ هل يمكن أن نجد شيئًا منك في بطلات قصصك أو في تفاصيل رواياتك؟
كل نصٍّ أكتبه هو مرآة صغيرة تعكس ملامحي، حتى وإن حاولت أن أخفيها. أحيانًا أكون البطلة في كل تفاصيلها… في وجعها، قوتها، جنونها، صلابتها، وحتى في لحظات ضعفها التي لا يراها أحد. وأحيانًا أخرى أختبئ في سطرٍ عابر، في نظرةٍ، أو في كلمةٍ تبدو عادية لكنها تحملني كلّي.
أنا لا أكتب من خارج الحكاية… بل أعيشها. أنسج من روحي ملامح الشخصيات، أتنفّس معهم وأتألم مثلهم، وأضع من ذاتي فيهم دون أن أشعر. لهذا السبب، من يقرأ نصوصي جيدًا سيجدني بين السطور… ليس ككاتبة فقط، بل كروحٍ تسكن الحرف.
كيف ترين المشهد الأدبي العربي اليوم وسط الانفتاح الرقمي؟ هل منحت المنصّات الجديدة الأدبَ فرصة أم سلبته عمقه؟
المشهد الأدبي العربي اليوم يشهد انفتاحًا كبيرًا بفعل المنصات الرقمية… الأمر الذي منح الكثيرين فرصة الظهور والوصول إلى القارئ بسهولة، لكنه في الوقت نفسه جعل الساحة مزدحمة. وسط هذا الزحام، لا يبقى سوى من يكتب بصدق وعمق، المنصات ساعدت الموهوبين، لكنها لا تصنع كاتبًا حقيقيًا وحدها. ما يجعل النص مختلفًا هو الروح التي تسكنه، والصدق الذي يميّزه عن ضجيج العابرين. الكاتب الحقيقي لا يذوب في الزحمة… بل يترك أثره وسطها.
من الكُتّاب أو الكاتبات الذين شكّلوا وعيكِ الأدبي، وجعلوكِ تنظرين إلى الكتابة كنافذة حياة وليست مجرّد مهنة أو هواية؟
المشهد الأدبي العربي اليوم مزدحم بالأصوات، لكن القليل فقط من ينجح في أن يترك أثرًا حقيقيًا في القلب. وسط هذا الزحام ، تبرز سارة بركات ككاتبة صادقة وموهوبة، لا تكتب بالحبر فقط، بل تكتب بروحها. كلماتها تشبه النسمة، تدخل القلب بهدوء وتترك فيه دفئًا لا يُنسى، ولهذا فهي من اقرب الاشخاص الي قلبي.
وأما بالنسبة الي ثاني اقرب الاشخاص الي قلبي فهى الكاتبة ميرنا المهدي، فهي كاتبة أحبها كثيرًا… تمتلك حضورًا خاصًا وطريقتها المميزة في الكتابة. حروفها بسيطة لكنها صادقة، تلمس القلب بطريقتها الهادئة، وتترك أثرًا جميلًا يبقى بعد القراءة.
ما رأيكِ في الدور الذي تلعبه المجلات الأدبية مثل إيفرست في دعم المواهب الجديدة وحماية جوهر الكلمة وسط الزخم السريع لعصرنا؟
أرى أن المجلات الأدبية اليوم تُؤدّي دورًا مهمًا في الحفاظ على جمال الكلمة وسط هذا الزخم السريع. فهي ليست مجرد مساحة للنشر، بل بيت يحتضن الموهوبين ويمنحهم الفرصة ليُسمِعوا أصواتهم. ومن بين هذه المجلات، تبرز مجلة “إيفرست” كمنبر حقيقي يشجع الأقلام الجديدة، ويدعم الكتّاب الذين يكتبون بصدق. وجود مثل هذه المنصات يجعل للكلمة وزنًا، وللموهبة فرصة حقيقية لتكبر وتُزهر.
لو طلبنا منكِ أن تختصري فلسفتكِ في جملةٍ واحدة، فماذا تقول سما محمد عن الكتابة؟
الكتابة بالنسبة لي نبضٌ صادق يمنح قلبي صوتًا، ويمنح روحي حياة.
هكذا تتحدث سما محمد… ببساطةٍ تفيض صدقًا، وعمقٍ يلامس القلب قبل العقل.
كلماتها لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تُشعرنا بأننا جزء منها.
هي لا تكتب عن الحياة فقط، بل تكتب بها، وتمنح الحروف أنفاسًا تشبهها هادئة، عميقة، وصادقة.
“الكتابة ليست ما نفعل، بل ما نصبحه حين نكتب”






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب