كتبت: إيمان ممدوح نجم الدين
هو عم الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان في مثل عُمْر النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك فقد نشأ وتربين معه، أيا أنه كان أخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في اَلرَّضَاعَة كذلك، فهو عَمُّهُ في النَّسب، وأخيه في اَلرَّضَاعَة.
وكان “حمزة ُ” قويَّ البُنْيان، وفارسًا من الطراز الأول، له كلمته عند قومه.
وذاتَ يومٍ خرج إلى الكعبة، وجلس بين أشْراف قريش، فسمعهم يتحدثون بسوء عن “محمد” ودعوته إلى تَرْك دين آبائهم، فَسَخِرَ منهم، ووَصَفَهم بالمبالغة وسوء التقدير؛ لأن حديثهم تظهر منه نَبْرَة الحقد والغيظ والمرارة، فهو يعرف “محمدًا” من طفولته إلى شبابه إلى رجولته، و “محمد” نَقِي لا يغضب ولا يَقْنَط ولا يطمع ولا يَلْهُو ولا يهتز.
وفي يوم من الأيام خرج “حمزة” للصيد في الصحراء، وعاد قبل انتهاء اليوم، فذهب ليطَوف حول الكعبة كعادته قبل رجوعه إلى منزله، فلَقِيَهُ رجلُ من قريش وقال له:
- يا أبا عمارة لقد آذى أبو الحَكَم بن هشام ابنَ أخيك “محمدًا” وسَبَّه وبَلَغَ منه ما يَكْرَه.
وشرح له ما صنع “أبو جهل” برسول الله، فأخذ “حمزة” قَوْسَهُ وانطلق سريعًا حتى وجد “أبا جهل”، فتَقَدَّمَ منه سريعًا وَهَوِيَ بقوسه على رأس “أبي جهل” فشَجَّهُ وسالت دماؤه، ثم صاح في وجهه قائلًا:
أَشْتُم “محمدًا” وأنا على دِينِه أقولُ؟!… ألَا فرُدَّ ذلك عليَّ إن استطعتَ.
فدَهِشَ الحاضرين من إسلام “حمزة” أَعَزِّ فتيان قريش وأقواهم شَكِيمَةً، لأن الضعفاء سيُسْلمُون بإسلام “حمزة” القوي، وسيجد “محمدٌ حوله القوةَ والبَأْسَ.
ولكنَّ حمزة تركهم وانطلق إلى منزله يفكر فيما أعلنه من إسلامه في لحظة من لحظات الحَمِيَّة والغضب والانفعال، فظل يفكر ويفكر في الأمر، وبَقِيَ أيامًا يفكر، حتى ذهب إلى الكعبة واستقبل السماءَ ضارعًا مُبْتَهِلًا، مُسْتَنْجِدًا بالله أن يشرح صدرَهُ بالحق، فاستجاب الله له وملأ قلبَهُ بالإيمان واليقين، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلن إسلامه فدَعَا الرسولُ له بأن يُثَبِّتَهُ اللهُ علي دينه.
وأعز اللهُ الإسلام ب حمزة ونَذَرَ حمزةُ كلَّ عافِيَتِهِ وبَأْسِهِ وحياتِهِ لله تعالى ودينه.
وظل الإسلام ينتشر وحمزة يقف شامخًا متحديًا أهل الكفر والطاغُوت.
وبعد الهجرة المباركة، بدأ المسلمون يقيمون دولتهم بالحب والإيمان والعمل، وخلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة لقبًا عظيمًا؛ لقد لَقَّبَهُ أسدَ اللهِ وأسدَ رسولِهِ.
وعُيِّنَ حمزة أميرًا علي أول سَريَّة خرج فيها المسلمون للقاء عَدُوِّهِمْ؛ وأول راية عَقْدهَا رسول اللهِ لأحد من المسلمين كانت لحمزة.
وقام حمزة ببطولة فائقة في غزوة بدر الكبرى، فكان أولَ من قَتل كافرًا في هذه الغزوة حين صَرَعَ الأَسْوَدَ بنَ عبدِ الأسد المَخْزومِيَّ، الذي أراد أن يَهْدمَ خوضَ مياه بدر، وعندما دَعَا كفارُ قريش المسلمين إلي المبارزة، برز حمزةُ وعلي وعُبَيْدَةُ؛ فقتل حمزةُ شَيْبَة بنَ الوليد، وكان ذلك بداية لنصر ساحق للمسلمين.
وعادت فُلُول قريش بهزيمة ساحقة سقط خلالها صَنَادِيد قريش وزعماؤها ورجالها، فطلبت الثأرَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من “حمزة بن عبد المطلب”!
وبعد عامٍ قضاه المشركون في الاستعداد، توجهوا إلى المدينة ومعهم حُلَفَاؤُهُمْ من قبائل العرب للقضاء على المسلمين وعلي الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي حمزة، واختاروا قبل الخروج رَجُلًا هو عبدٌ حَبَشِيٌّ اسْمُهُ “وَحْشِيٌّ”، وكان ذا مهارة كبيرة في قَذْف الحَرْبَة، فوعدوه بالعِتْق من اَلْعُبُودِيَّة إنْ هو قَتَل “حمزة” كما وعدوه بالقَلَائِد الذهبية والذهب واللؤلؤ، ولذلك لم يكن ل وَحْشِيّ من دَوْر في المعركة إلا قتل حمزة، وكانت صاحبةَ الوُعُود “هِنْدُ بنتُ عَتَبَة”؛ لأن حمزة قتل أباها وعَمَّها وأخاها وابنَها في معركة بدر الكبرى.
لهذا كان حمزةُ ووحدُهُ رَئِيسِيًّا من أهداف قريش في حرب أُحُد!
وحين تَقَابَلَ جيشُ المسلمين وجيشُ الكفار في غزوة أُحُد، بذل حمزة جهدًا كبيرًا، وراح يَصُولُ ويَحُولُ قاطعًا أعْناق المشركين، حتى قارَبَ المسلمون على النصر الحاسم، بل وبدأت جيوش الكفار تَفِرُّ من الميدان، لَوْلَا أنْ تَرَك رُمَاةُ السِّهَام مواقعهم لأخْذ غنائم العدو!
نعم، تَرَك رُمَاةُ المسلمين مواقعَهم فوق الجبل ليجمعوا غنائم العَدُوّ المهزوم، وكانت عيون المشركين تراقب المواقف، فعاد بعضُ فرسانهم علي غَفْلَة ليحاربوا جنود المسلمين وقد وضعوا بعض أسلحتهم، فكانت مفاجأةً شديدة، ولكنْ كان “حمزة” هناك يدافع عن الإسلام وعن الرسول الله بقوة ونشاط، ووَخَشِيَ وراء شجرة حتى وجد حمزةَ وحيدًا وهو يُجْهِزُ علي أحد المشركين، فضربه بحَرْبتِهِ ضربةً قويةً جبانة.
فقتلته، وسقط شهيدًا، ولم يَكْتَف الكفارُ بقتله، بل أَمَروا بانْتِزَاعِ كَبدِهِ!
وبلغ حِقْدُ الكفار على حمزة أنْ قامت هندُ بنتُ عَتَبَة زوجةَ أبي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ -سيد قريش- بمَضْغِ كَبِدِ حمزة -رضي الله عنه-، وبعد انتهاء المعركة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزةَ -أسد الله وسيدَ الشُّهَدَاءِ- راقدًا مُمَزَّقَ الأَحْشَاءِ، بعد أنْ مَثَّلَ الكُفَّارُ بجُثَّتِهِ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لن أُصَابَ بمِثْلِكَ أبدًا، وما وقفتُ قَطُّ أَغِيظ إليَّ من هذا الموقف!»
ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رَفَضَ التمثيلَ بجُثَثِ الأعداء كمَبْدَأ؛ حتى لا يَتَّبِعَهُ الصحابةُ بعد ذلك.
وقام الرسول صلى الله عليه وسلم- بالصلاة على حمزة سبعين مَرَّة، مرة مع كل شهيد من شهداء معركة أُحُد.
رحمَ اللهُ سيدَ الشهداء، وأسدَ الله، وأسدَ رسوله الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
«حمزةَ بنَ عبدِ اَلْمَطْلَب» رضي الله تعالى عنه.






المزيد
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟
زواج القاصرات ومخاطره على تربية الأبناء