في أحد المشاهد الساخرة من فيلم الواد محروس بتاع الوزير، يشير سكرتير الوزير إلى امرأة تشكو أثارت شفقة البطل، ثم يقول له ببرود:
«شايف البرجين اللي على النيل هناك؟ دول ملكها!»
بعدها يقابل البطل متسولة في الطريق فيسخر قائلًا:
«أيوه يا أختي… تاخدي مني وتبني في عمائر وأبراج!»
تمرّ اللقطة كدعابة سينمائية خفيفة، يضحك لها الجمهور ثم ينساها. لكن السؤال الذي يبقى: هل تبالغ السينما في هذا الوصف حقًا… أم أنها كانت تلمّح إلى واقع لم نكن نراه؟
إنَّ التسوّل في المدن الكبرى لم يعد مجرد أفراد قست عليهم الحياة، فيجلسون على الأرصفة في يأسٍ مؤلم.
في كثير من الحالات أصبح نشاطًا منظّمًا، له شبكات، وله مناطق، وله اقتصاد كامل يعيش على استدرار الرحمة.
أولًا: شبكات خلف المشهد
ما يبدو لك متسولًا وحيدًا قد يكون في الحقيقة جزءًا من شبكة أكثر تشابكًا وتفرعًا من شبكات أنفاق المترو.
ففي الصباح الباكر تنطلق سيارة صغيرة من أطراف المدينة، تحمل مجموعة من الأطفال.
لا تتجه بهم إلى مدرسة… ولا إلى ملعب… بل إلى إشارات المرور في الأحياء المزدحمة.
هناك ينزل الأطفال واحدًا بعد الآخر.
كل مجموعة تعرف مكانها جيدًا:
فهذا الرصيف لطفل، وتلك الإشارة لطفلين، وذاك الشارع لمجموعة أخرى… وكأن للمدينة خريطة خفية لا يراها المارة.
ولا يقترب أحد من مكان الآخر. إنها ليست صدفة… بل تنظيم غير معلن.
ومع نهاية اليوم تُجمع الحصيلة.
ثانيًا: الاستثمار في البراءة
الأطفال هم أكثر الفئات استخدامًا في هذا العالم الخفي؛ فالطفل يثير التعاطف بسرعة، وصورته الصغيرة بين السيارات كفيلة بأن تفتح كثيرًا من النوافذ المغلقة.
ولهذا لا يُستخدم الأطفال عشوائيًا، بل يُرسلون إلى الأماكن الأكثر ربحًا: إشارات المرور الكبرى، الأسواق، مداخل المساجد، والمناطق المزدحمة.
وهكذا تتحول البراءة إلى وسيلة دخل.
وقد يُستغل في هذا الاقتصاد أيضًا كبار السن أو أصحاب الإعاقات؛ لأن مظهر العجز يفتح باب الشفقة سريعًا.
ثالثًا: اقتصاد التسول
وحين تجتمع هذه العناصر معًا يظهر ما يمكن تسميته اقتصاد التسول.
في هذا الاقتصاد هناك من يدير، ومن يوزّع المناطق، ومن يجمع الأموال.
أما المتسول في الشارع فهو غالبًا الحلقة الأضعف في السلسلة، ولهذا لا تختفي الظاهرة بسهولة؛ لأنها في بعض الحالات أصبحت نشاطًا مربحًا.
لكن الأطفال ليسوا المشكلة بين سطور هذا الحديث.
فالطفل الذي يقف بين السيارات ليس مجرمًا، بل هو في الغالب ضحية قبل أن يكون متسولًا.
هو لم يختر الشارع، ولم يختر هذه الحياة.
ولهذا فإن مواجهة التسول المنظم لا تعني القسوة على الأطفال، بل تعني إنقاذهم ممن يستغلونهم.
رابعًا: جيل بلا انتماء
لكن خطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدود مشكلة التسول، بل تتجاوز ذلك.
فالطفل الذي يقضي طفولته في المدرسة يتعلم أكثر من القراءة والكتابة؛ يتعلم النظام والقانون والانتماء.
أما الطفل الذي يكبر في الشارع فيتعلم عالمًا مختلفًا.
لا يرى الدولة إلا في صورة مطاردة، ولا يرى المجتمع إلا كسيارات يطرق زجاجها.
ومع مرور السنوات قد ينشأ جيل كامل خارج العقد الاجتماعي؛
جيل يعيش داخل الوطن… لكنه لا يشعر أنه جزء منه.
وهذا أخطر ما في الظاهرة.
فالطفل الذي يُترك في الشارع لا يكبر فقيرًا فقط… بل قد يكبر غريبًا عن المجتمع الذي يعيش فيه.
خامسًا: كيف نكسر هذه السلسلة؟
القضاء على التسول المنظم لا يكون فقط بالمطاردة أو العقاب، بل بتجفيف منابعه كما أشرت في مقالي السابق.
ويكون ذلك بتجريم استغلال الأطفال باعتباره جريمة خطيرة، وملاحقة الشبكات التي تدير هذا النشاط، ومعاقبتها بطريقة صارمة.
لكن ذلك وحده لا يكفي.
فالطفل الذي يُنقذ من الشارع يحتاج إلى طريق جديد للحياة.
وأقترح تقسيم الأطفال إلى فئتين:
1) الفئة الأصغر:
هؤلاء يحتاجون قبل أي شيء إلى إعادة بناء طفولتهم.
ينبغي نقلهم إلى مؤسسات رعاية حقيقية، وإعادتهم إلى التعليم، مع توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم.
فالهدف هنا ليس العمل، بل استعادة الطفل نفسه.
2) الفئة المراهقة:
أما المراهقون الذين قضوا سنوات في الشارع، فكثير منهم ترك المدرسة وفقد أي مهارة.
هؤلاء يحتاجون إلى مسار مختلف: برنامج وطني للتأهيل يجمع بين التعليم الأساسي المكثف، والتدريب المهني، والانضباط والعمل.
يمكن تدريبهم في الورش والمصانع ومراكز التدريب على مهارات يحتاجها المجتمع، مثل:
الصيانة، والكهرباء، والميكانيكا، والصناعات المختلفة، والخدمات الطبية المساعدة.
وهكذا لا نُشغّل الأطفال…
بل نحوّلهم إلى متدربين يمتلكون مستقبلًا.
الخلاصة
إنَّ إنقاذ طفل واحد من الشارع ليس مجرد عمل خيري…
بل هو استعادة مواطن كان يمكن أن يضيع قبل أن يبدأ حياته.






المزيد
غرس القيم في أبنائنا دون أوامر: التربية بالقدوة لا بالتلقين
ماذا حلّ بنا؟
أهمية الدعم النفسي للأطفال في ظل الظروف القاسية الحروب والكوارث