مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سُبُل اتباع القطيع خيرٌ من الوحدة…

بقلم: رهام أحمد بدوي

عبارةٌ للوهلة الأولى قد تبدو لدى البعض منطقية ومريحة، لكنها تطرح سؤالاً وجودياً حاسماً: هل اتباع الآخرين دائماً هو الخيار الأصح والآمن؟

شَبَّهتُ بعض سلوكيات البشر بـ “القطيع” لأن الحيوانات تسير خلف بعضها البعض دون إعادة تفكير، أو مراجعة للهدف، أو تقييم للطريق المسلوك؛ سواء كان صحيحاً وآمناً أم خاطئاً ومؤدياً للهلاك.

وبالمثل تماماً، قد ينساق بعض الناس وراء الآخرين؛ لا بقناعة حقيقية بأفعالهم أو إيمان بأفكارهم، وإنما فقط خوفاً من مرارة الاختلاف أو خشيةً من شعور الوحدة.

هل كثرة الفاعلين تجعل الخطأ صواباً؟

كثيراً ما نرى أشخاصاً يرتكبون أخطاءً صريحة، أو يتبنون سلوكيات غير صحيحة، متعللين بحجة واهية: “الجميع يفعل ذلك!”.

وهكذا يشتغل مفهوم ‹اتباع القطيع›؛ فيتحول الخطأ في نظرهم إلى أمر مقبول ومشروع لمجرد شيوعه وانتشاره، ويُبرر بكلمات مكررة وشائعة: “هذا أمر طبيعي، فالجميع يفعله”.

لكن هل كثرة الفاعلين تجعل الخطأ الصريح صواباً؟ وهل الخوف من الوحدة أو عزلة النخبة مبرر كافٍ للتخلي عن المبادئ القويمة والقناعات الشخصية الأصلية؟

[أفكارنا موروثة]… وحتمية إعادة التفكير

نعم، كما قرأت تماماً: أفكارنا موروثة من الأجيال السابقة؛ نتوارث الاعتقادات والمفاهيم—سواء كانت صحيحة أو خاطئة—وتترسخ تدريجياً في عقولنا الباطنة دون تمحيص.

لذلك، أصبحت إعادة التفكير ضرورة ملحة؛ أعد التفكير في جميع أمور حياتك وقناعاتك:

 لرؤية الصواب المجرد بعيداً عن ضجيج الجموع.

 لتحقيق الاستقلال الفكري والسيادة الذاتية.

 للتحرر الكامل من المحفورات والمفاهيم الخاطئة.

ضريبة الاختلاف وآليات الدفاع النفسي

حتى إن من يختار أن يختلف عن السائد والمألوف، غالباً ما يتعرض لكلمات قاسية، وأحكام عبثية متسرعة. قد يتعرض المتميزون للانتقادات السلبية بكثرة، والاستهزاء، والتقليل المستمر مما يفعلونه؛ فقط لكونهم اختاروا أن يكونوا مختلفين وأصيلين.

وردات الأفعال الهجومية هذه ليست في جوهرها سوى وسائل دفاعية صادرة من العقل الباطن للآخرين؛ لأن الغالبية تهاب التغيير، وتخاف من مواجهة الاختلاف الذي يكشف جمودها.

خاتمة وسؤال مفتوح:

إلى متى سنتوارث هذه الأفكار ونحملها كمسلّمات لا تُقشّر؟

هل سيجرؤ كل منا على أن يختلف بطريقته الخاصة والمميزة، أم سنظل نَورَث الأفكار والمعتقدات الخاطئة ونُوَرِثها للأجيال القادمة دون وعي؟

(في وقت لاحق، سأتحدث باستفاضة عن مهارة إعادة التفكير، وكيف نختلف بوعي عن القطيع، وما هي الآثار النفسية والفكرية لهذا الاختلاف).