بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري
(أخصائي نفسي)
هل جلستَ يوماً وحيداً، لا تشكو من شيءٍ محدد، وفجأةً انهمرت دموعك؟ لم يصلك خبرٌ سيئ، ولم تتشاجر مع أحد، ومع ذلك تبكي بحرقةٍ كأنك تبكي عن عمرٍ كامل؟
لا تقلق، أنت لست ضعيفاً، ولست مبالغاً. أنت فقط إنسانٌ امتلأ قلبه أكثر مما يحتمل.
في علم النفس، لا يأتي البكاء دائماً من سببٍ واحدٍ كبير، بل يأتي غالباً من تراكم أسبابٍ صغيرة لم نجد لها وقتاً للبكاء.
أولاً: كوب القلب
تخيّل قلبك كوباً من زجاج.
في كل يوم، يُلقي فيه أحدهم شيئاً: كلمةً جارحةً سمعتها في الصباح وسكتّ، ونظرةَ استهزاءٍ تحملتها ولم ترد، وتعباً جسدياً نمتَ به واستيقظتَ به، ومسؤوليةً فوق طاقتك، وكلمة “أنا بخير” تكررها وأنت لست بخيرٍ أبداً.
نقطة فوق نقطة، والكوب يمتلئ. ونحن لا نفرغه، بل نؤجل تفريغه. نقول: ليس الآن، سأتحمل قليلاً بعد.
حتى تأتي نقطةٌ أخيرةٌ تافهةٌ جداً، أغنيةٌ قديمةٌ في المذياع، فنجانُ قهوةٍ سقط، كلمةٌ عابرةٌ من طفل، فيفيض الكوب دفعةً واحدة.
أنت لا تبكي بسبب فنجان القهوة، أنت تبكي بسبب كل ما كان قبله.
ثانياً: جرح الظلم.. الحجر الكبير في الكوب
ومن بين كل النقاط، هناك حجرٌ ثقيل، ليس كنقطة الماء، إنه يملأ نصف الكوب وحده: أن تُظلم ولا يصدقك أحد.
أن تقول الحقيقة بكل صدق، فيصدق الناس الكذبة لأن الكاذب أعلى صوتاً وأكثر تمثيلاً. وأن يلتف حول ظالمك كل من كنت تظنهم سندك، يصفقون له ويرددون كلامه عنك، وأنت واقفٌ وحدك مذهولاً، لا تملك إلا أن تقول: “والله لم أفعل”.
يقول علماء النفس: إن ألم الظلم ليس في الظلم نفسه، بل في الوحدة التي تأتي بعده. حين يشعر الإنسان أن الحقيقة قد ماتت، وأن الجميع صدقوا الزور. هذا الشعور يُخزَّن في الجسد كغصةٍ في الحلق، وثقلٍ في الصدر، ودموعٍ جاهزةٍ للانفجار في أي لحظة.
كثيرٌ ممن يبكون بلا سبب، هم في الحقيقة مظلومون لم يجدوا من ينصفهم، فبكى الجسد بدلاً من اللسان.
ثالثاً: لماذا يبكي الجسد؟ ماذا يقول علم النفس؟
1. الجسد ذاكرة لا تنسى: عقلك قد ينسى الإهانة التي تعرضت لها وأنت في العاشرة، لكن جهازك العصبي لا ينساها. يحفظها كتوترٍ في كتفك، وضيقٍ في تنفسك.
2. البكاء تنظيف وتحرير: البكاء ليس عيباً، هو آلية دفاع ربانية. مثلما ترتفع حرارة الجسم ليقتل الفيروس، ترتفع دموعك لتطرد الوجع المتراكم. إن كبت الدموع هو الذي يمرضك، وليس البكاء.
3. صوت الطفل الداخلي: بداخل كل واحدٍ منا طفلٌ صغيرٌ تعلم السكوت. قالوا له: “اسكت، لا تبكِ، كن رجلاً، كوني مؤدبة”. فكبر الطفل وهو يظن أن التعبير عن الألم خطأ. واليوم، هذا الطفل هو الذي يبكي فجأةً دون إذن.
رابعاً: وما عند الله لا يضيع.. بذورك في الأرض الصالحة
وهنا تأتي الحقيقة التي تشفي الروح.
تذكر جيداً: كل ظلمٍ تعرضت له، وكل ألمٍ تحملته، وكل حملٍ ثقيلٍ حملته وحدك في صمت، لا يضيع هباءً أبداً. هو ليس صفراً، بل هو رصيدٌ محفوظٌ عند من لا ينسى.
أنت زرعت، لكنك زرعت في أرضٍ جرداء. أرضٍ قاسيةٍ لم تقدر تعبك، ولم تسقِ بذورك، بل داست عليها وقالت عنك ما ليس فيك. فلا تحزن على الأرض الجرداء.
فالله، العادل الكريم، لا يضيع زرعاً. ما غرسته بدموعك في أرضٍ جرداء، سينبته الله لك في أرضٍ صالحةٍ أخرى. في مكانٍ آخر لم تكن تتوقعه، ومع قلوبٍ صالحةٍ تقدرك، في وقتٍ يختاره هو، لأنه أحن عليك من نفسك.
سوف تجنيه حتماً.
كل دمعة ظلمٍ، سيجعلها الله فرحة. وكل كلمة حقٍ قلتها ولم يصدقك فيها أحد، سيهيئ الله لها من يصدقها ويحتضنها. وكل تعبٍ سهرت به وحدك، سيعوضك الله عنه براحةٍ وسكينةٍ لم تكن تحلم بها.
فلا تحزن أنهم لم ينصفوك، فالله أنصفك حين رأى. ولا تحزن أنهم صدقوا الكذبة، فالله يعرف الحقيقة.
فماذا تفعل حين تبكي بلا سبب؟
لا تقل لنفسك: “لماذا أبكي؟ أنا ضعيف”. بل قل: “لقد امتلأت، وحان وقت التفريغ. منذ متى لم أحنُ على نفسي؟”.
دع دموعك تنزل، احتضن نفسك، وقل لها: “أعرف أنكِ تعبتِ، أنا معكِ، والله معنا”.
ابكِ حتى يفرغ الكوب، حتى يصبح صدرك خفيفاً. ثم امسح دموعك، وازرع من جديد، وأنت مطمئنٌ أن بذورك التي سقطت في الأرض الجرداء، ستزهر يوماً في بستانٍ أخضر، في الأرض الصالحة التي يخبئها الله لك.






المزيد
معارض أم مفكر نقدي؟!
حين يتكلم القلب
الفراشة الناعمة