بقلم: عبدالله شاهين
هناك لحظات في الحياة لا تحتاج إلى لغةٍ منطوقة، ولا إلى جملٍ منمّقة، ولا إلى حججٍ تُقال لتُقنع أحدًا…
لحظاتٌ ينهض فيها القلب من صمته الطويل، ويأخذ مكانه في مقدمة المشهد، متحدثًا بصدقٍ لا يعرف الالتواء، وبصوتٍ لا يسمعه إلا من اعتاد الإصغاء إلى ما وراء الظاهر.
الفطرة والنقاء الداخلي
حين يتكلم القلب، تتبدد الضوضاء التي تصنعها العقول المتعبة، ويهدأ صخب الأسئلة التي لا تنتهي.
يصبح الإنسان أقرب إلى فطرته الأولى، إلى تلك البذرة النقية التي وُلد بها قبل أن تلمسها يد التجارب وتُثقِلها الأيام؛ فالقلب لا يعرف التزييف، ولا يجيد ارتداء الأقنعة، ولا يساوم على ما يراه حقًا.
وفي لحظة صادقة، يكشف القلب عن أعمق ما نخفيه:
خوفٌ لم نعترف به.
شوقٌ حاولنا تجاهله.
حنينٌ ظنناه مات.
أو نورٌ كنا نبحث عنه خارجنا بينما كان يسكننا منذ البداية.
يتكلم القلب ليعيد ترتيب الفوضى، وليدلّنا على الطريق الذي ضللناه حين استسلمنا لصوت العالم ونسينا صوتنا الداخلي.
شجاعة الإصغاء
وحين يتكلم القلب، يصبح الإنسان أكثر شجاعة؛ فالكلمات التي تأتي من الداخل لا تخشى الرفض، ولا تنتظر التصفيق. إنها كلماتٌ تمشي بثبات لأنها تعرف مصدرها، وتعرف أنها خرجت لتُصلح لا لتُرضي.
لذلك، فإن الإصغاء للقلب ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو أعلى درجات القوة؛ لأنه يتطلب مواجهة الذات بلا تزيين ولا تبرير.
البوصلة التي لا تخون
وفي النهاية، يبقى القلب هو البوصلة التي لا تخون.
قد يضل العقل حين يثقل عليه الحساب، وقد تتوه الحواس حين تزدحم عليها المغريات، لكن القلب حين يتكلم يعيد الإنسان إلى مركزه، إلى جوهره، إلى الحقيقة التي لا تتغير مهما تغيّر كل شيء من حوله.
خاتمة:
فطوبى لمن عرف كيف يصغي، وكيف يميّز بين صوت القلب وصوت الضجيج…
وطوبى لمن سمح لقلبه أن يتكلم قبل أن يفوته العمر وهو يبحث عن كلمات كان يحملها في داخله منذ البداية.






المزيد
متى تصبح التضحية بطولة، ومتى تصبح خسارة؟
أكتوبر ليس ذكرى.. إنه نبض في كل بيت مصري
أمانةٌ في أعناقكم: كفّوا أيديكم عن أطفالنا