مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

✦صمتٌ يحرس ما لا يُقال ✦  ✦بقلم د.أمجد حسن الحاج ✦

✦صمتٌ يحرس ما لا يُقال ✦

✦بقلم د.أمجد حسن الحاج ✦

 

✦في أعماق كل إنسان مساحة مظلمة لا يطرقها أحد، مساحة تختبئ فيها المخاوف القديمة، وتنام فوق جدرانها أسرارٌ لا يجرؤ القلب على الاعتراف بها. هناك، في ذلك الركن المعتم، يتصارع الوعي مع ما لا يريد رؤيته، وتتشابك الأصابع الخفية حول اللحظة، كأنها تُذكّره بأن بعض الحقائق تحتاج إلى صمتٍ أقوى من أي تبرير.

 

إنّ الأقدار أحيانًا تُغطي البصيرة بضمادةٍ تُجبر الروح على الإصغاء بدل النظر، كأن الحياة تختبره: هل يستوعب ما خفي عنه؟ هل يواجه ما لم يجرؤ على الاعتراف به؟ فليس كل ما يُرى واضحًا، ولا كل ما يُحجب ضياعًا، بل قد يكون الستر درسًا، والسكوت نجاة، والحذر عبورًا نحو إدراكٍ أعمق.

 

وتتسلل أصواتٌ غامضة، لا تُريد إثارة الفوضى، بل تذكّر بأن الإنسان لا يهرب من ظله، وأن ما يلاحقه ليس شرًّا دائمًا، بل أثرٌ لزمنٍ لم يلتئم بعد. تلك اللمسات المجهولة لا تُهدد وجوده، بقدر ما تدفعه لمواجهة الرواسب التي تراكمت داخله. فربما يحتاج أحيانًا إلى التوقف، إلى ابتلاع ضجيج العالم، إلى رفع إصبعه نحو شفتيه، ليُعلن هدنة مع نفسه أولًا.

 

الصمت الذي يتقنه ليس ضعفًا، بل محاولة لترتيب الفوضى التي تصرخ من الداخل. إنه يحمي صوته من الانكسار، ويُبعد روحه عن السقوط في متاهات لا يعود منها سوى مُرهق. إنه يعلم أن الكلمة في غير وقتها تُشعل النيران، وأن الاعتراف في لحظةٍ خاطئة يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها. لذلك يختار أن يصمت، لا هروبًا، بل حفاظًا على ما تبقى من سلامٍ هشّ.

 

وفي انطفاء الضوء يكتشف أن الظلام ليس عدوًا، بل مرآة تُظهر ما تجاهله طويلًا. ومع كل نفسٍ هادئ يتقوّى قلبه، ويتسع وعيه، ويقترب من الحقيقة التي حاول طول عمره الفرار منها: أن الإنسان لا يُهزم ما دام يحتفظ بقدرته على الصمود، ولا يضيع ما دام يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يحمل أسراره في صمتٍ يشبه القوة أكثر مما يشبه الخوف.

 

هكذا يمضي، مطمئنًا بأن الصمت ليس نهاية، بل بداية لوعيٍ يفتح داخله أبوابًا جديدة، ويعلّمه كيف يحرس ما لا يجب أن يُقال، حتى تأتي ساعة الضوء التي ترفع فيها الضمادة وحدها… بمجرد أن يصبح مستعدًا للرؤية. ✦